خسائر بأكثر من مليار دينار في 11 مؤسسة عمومية بتونس

كشف تقرير رسمي صادر عن محكمة المحاسبات التونسية عن خسائر مالية كبيرة في عدد من المؤسسات والشركات العمومية، تجاوزت قيمتها الإجمالية مليار دينار تونسي. هذا الكشف يثير تساؤلات حول إدارة المالية العمومية في تونس ويأتي في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية متزايدة. ويشير التقرير إلى ضرورة إجراء مراجعة شاملة لآليات الرقابة وإعادة هيكلة الشركات الخاسرة.
ووفقًا للتقرير، فإن شركة الخطوط الجوية التونسية تتصدر قائمة المؤسسات الخاسرة بقيمة 316 مليون دينار، يليها ديوان البحرية التجارية والموانئ بخسائر تقدر بـ 291 مليون دينار. وتشمل المؤسسات الأخرى المتضررة شركات في قطاعات الطاقة والنقل والخدمات، مما يعكس انتشار المشكلة في مختلف القطاعات الحكومية.
أزمة المالية العمومية في تونس وتداعياتها
تأتي هذه الخسائر في سياق أزمة مالية حادة تشهدها تونس، تتجلى في ارتفاع عجز الميزانية وتزايد الدين العام. وتواجه الحكومة صعوبات في تأمين التمويل اللازم لتغطية النفقات الجارية والاستثمارات الضرورية، مما يؤثر سلبًا على القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم.
وأرجعت محكمة المحاسبات هذه الخسائر إلى عدة عوامل، من بينها صرف الموارد المالية على أجور ومنح وتعويضات غير مستحقة قانونيًا، بالإضافة إلى ضعف الرقابة الداخلية والإدارة غير الفعالة. هذه الممارسات تساهم في تبديد الأموال العامة وتفاقم الأزمة المالية.
ردود فعل رسمية وتأكيدات على المساءلة
عبّر الرئيس التونسي قيس سعيد عن قلقه البالغ حيال هذه الأرقام، واصفًا إياها بأنها تعكس “حجم الخراب والتخريب المنهجي الذي عاشته البلاد”. وأكد على ضرورة اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الخسائر واسترداد الأموال العامة المنهوبة. كما شدد على حق الشعب التونسي في المساءلة والمحاسبة.
من جانبها، أعلنت رئاسة الجمهورية عن متابعة دقيقة للتقرير وإحالة النتائج إلى الجهات القضائية المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة. وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد الوطنية.
تأثير الخسائر على ميزانية الدولة والاقتراض
يُظهر مشروع ميزانية الدولة للعام 2026 اعتمادًا كبيرًا على الاقتراض من الداخل والخارج لتغطية العجز المالي. وتشير التقديرات إلى أن الحكومة ستحتاج إلى اقتراض ما قيمته 19.1 مليار دينار من السوق المحلية و 6.8 مليار دينار من مصادر خارجية. هذه الزيادة في الاقتراض تزيد من أعباء الدين العام وتقلل من هامش المناورة المالية للحكومة.
وتصل أعباء خدمة الدين في ميزانية 2026 إلى حوالي 23 مليار دينار، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من إجمالي الميزانية (حوالي 26%). وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من الموارد المالية المتاحة سيتم توجيهه لسداد الديون بدلًا من تمويل المشاريع التنموية وتحسين الخدمات العامة. الديون السيادية تشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد التونسي.
التحديات الاقتصادية والحلول المقترحة
تواجه تونس تحديات اقتصادية متعددة، بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين وتراجع الاستثمار الأجنبي. تتطلب معالجة هذه التحديات اتخاذ إجراءات هيكلية لتحسين مناخ الأعمال وتعزيز الإنتاجية وتنويع مصادر الدخل. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الحكومة تقييم أداء المؤسسات العمومية وإعادة هيكلتها أو تصفيتها إذا كانت غير مجدية اقتصاديًا.
ويعتبر تعزيز الرقابة والمحاسبة على الأموال العامة من أهم الآليات اللازمة لمكافحة الفساد وتحسين إدارة الموارد المالية. ويتطلب ذلك تفعيل دور محكمة المحاسبات وتعزيز استقلاليتها وتزويدها بالإمكانيات اللازمة لإجراء الرقابة الفعالة.
من المتوقع أن يعقد البرلمان التونسي جلسة لمناقشة تقرير محكمة المحاسبات واتخاذ القرارات اللازمة بشأن الإجراءات التي يجب اتخاذها. وتعتبر هذه الجلسة فرصة مهمة لمناقشة الوضع المالي للبلاد واقتراح الحلول المناسبة لمواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة. كما يجب متابعة تطورات المفاوضات مع الشركاء الدوليين للحصول على دعم مالي إضافي.





