عائشة بنور: النقد عاجز عن مواكبة طوفان الروايات

أكدت الروائية الجزائرية عائشة بنور في تصريحات حديثة أن الرواية العربية تشهد تطوراً ملحوظاً وتنوعاً في الأصوات والموضوعات، مع توقعات بمستقبل واعد يعتمد على الحفاظ على الجودة والعمق في ظل الكم المتزايد من الإصدارات. وأشارت بنور إلى أهمية النقد الأدبي في تقييم هذه الأعمال وتسليط الضوء على المتميزة منها، مع ضرورة تطوير آليات النقد لمواكبة هذا التوسع.
جاءت تصريحات بنور خلال حديثها عن المشهد الروائي العربي الحالي، حيث لفتت إلى أن انتشار الرواية يعزى إلى قدرتها على التفاعل مع الواقع وطرح الأسئلة الجريئة، بالإضافة إلى التجديد المستمر في التقنيات السردية. وأضافت أن الرواية أصبحت فضاءً حيوياً للتعبير الحر، مما ساهم في جذب المزيد من القراء والكتاب.
تأصيل الحداثة في الرواية العربية واستلهام التراث
وفيما يتعلق بالتيارات الحداثية في الرواية، شددت بنور على أهمية الانفتاح على المناهج الحديثة، مع التأكيد على ضرورة عدم فقدان الجذور والتراث العربي الأصيل. وأوضحت أن النقد الأدبي يجب أن ينطلق من التراث ويتفاعل مع المناهج العالمية بروح خلاقة، لضمان الحفاظ على الهوية الثقافية في الأعمال الروائية.
وعلى الرغم من أهمية الجوائز الأدبية في لفت الانتباه إلى الأعمال الجيدة ودعم انتشارها، إلا أن بنور أكدت أن القيمة الحقيقية لأي رواية تكمن في نصها الأصيل وجودته الفنية. ومع ذلك، اعتبرت أن الجوائز تساهم في إثراء المشهد الأدبي وتشجيع الكتاب على تقديم أعمال متميزة.
العلاقة بين السرديات العربية الكبرى والرواية الحديثة
أشارت بنور إلى وجود صلة عميقة بين السرديات العربية الكبرى والفن الروائي الحديث، مؤكدة أن الموروث السردي العربي الغني بالقصص والرحلات والحكايات قد صاغ الخيال الجمعي العربي وظل مرجعاً ثقافياً وجمالياً للروائيين. وأضافت أن الاستلهام من هذا الموروث يعزز خصوصية الرواية العربية في ظل التحولات العالمية.
وأكدت بنور أن الاستلهام من التراث لا يعني التكرار، بل يجب أن يتم بروح جديدة ومبتكرة، مع الحرص على الجمع بين الأصالة والحداثة في النص الروائي. وشددت على أن اللغة العربية الفصحى تضفي على السرد جماله وقيمته، مع إمكانية استخدام العامية عند الضرورة لإضفاء لمسة شعبية أو للتعبير عن الموروث الشعبي.
جماليات اللغة وتوتر السرد في أعمال بنور
تعتبر بنور أن “شعرية الرواية” هي تلك الطاقة الجمالية التي تضفي على السرد عمقه وإيقاعه، وتحول اللغة إلى فضاء شعوري يمنحها تأثيراً ودهشة. وأوضحت أنها تحافظ على توتر الأحداث في رواياتها من خلال الاعتماد على الإيقاع الداخلي للنص، وتوزيع المفاجآت، وحجب بعض المعلومات، وتعميق الصراع بين الشخصيات.
وفيما يتعلق بحضور المكان في أعمالها، ذكرت بنور أن المكان يتجاوز كونه مجرد خلفية جامدة، ليصبح كياناً حياً يؤثر ويتأثر بالشخصيات. وأضافت أنها تتعامل مع المكان كبطل رئيسي في العمل، لما يحمله من ذاكرة وهوية وتحولات، وهو ما يتجلى في روايتها الجديدة “ماتريوشكا – أرواح من قطن”.
وأشارت بنور إلى أن الكتابة بالنسبة لها هي اكتشاف للعالم الداخلي قبل أن تكون سرداً للعالم الخارحي، وأنها تبدأ الكتابة عندما تكتمل الفكرة بداخلها وتُلح عليها بقوة. وأضافت أنها تحتاج إلى الهدوء ومساحة من العزلة للتأمل والتفكير في بلورة الفكرة.
من المتوقع أن تشهد الرواية العربية المزيد من التطور والازدهار في السنوات القادمة، مع استمرار الكتاب في تقديم أعمال متميزة تعكس الواقع وتطرح الأسئلة الجريئة. وسيبقى النقد الأدبي عنصراً أساسياً في تقييم هذه الأعمال وتسليط الضوء على المتميزة منها، مع ضرورة تطوير آليات النقد لمواكبة التغيرات المتسارعة في المشهد الأدبي. يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على الجودة والعمق في ظل الكم الهائل من الإصدارات، وهو ما يتطلب جهداً مشتركاً من الكتاب والنقاد والناشرين.





