عبد الهادي بلخياط.. خمسة عقود من الوفاء للنغمة المغربية الأصيلة

لم يكن الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط مجرد اسم بارز في تاريخ الأغنية المغربية، بل تجربة فنية أسهمت في تأسيس ملامح الأغنية المغربية المعاصرة. فقد رحل الفنان عن عالمنا يوم 31 يناير 2026، عن عمر يناهز 86 عامًا، بعد صراع مع المرض، تاركًا وراءه إرثًا غنائيًا وثقافيًا غنيًا أثر في أجيال من المستمعين.
وقد أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل المغربية عن وفاة بلخياط، معبرة عن حزنها العميق لفقدان أحد رواد الفن المغربي. وقد استمرت مسيرة بلخياط الفنية قرابة خمسة عقود، شهدت خلالها تطورًا ملحوظًا في الأغنية المغربية، وساهم في إثرائها بأعمال فنية متميزة.
سنوات النشأة والبدايات الفنية
ولد عبد الهادي بلخياط عام 1940 في مدينة فاس، ونشأ في كنف عائلة بسيطة. اضطر إلى ترك الدراسة في سن مبكرة بسبب الظروف المعيشية الصعبة، وعمل في مهن مختلفة لإعالة أسرته. ومع ذلك، لم يتخل عن شغفه بالموسيقى، وبدأ يمارسها بشكل ذاتي.
انتقل بلخياط إلى الدار البيضاء في سن مبكرة، حيث سنحت له الفرصة للالتحاق بوزارة الشباب والرياضة، وهو ما أتاح له الاقتراب من الوسط الفني. بدأ يشارك في الأنشطة الثقافية والفنية، وقدم أولى أغانيه في الإذاعة المغربية، مما لفت الأنظار إلى موهبته.
رحلة إلى القاهرة وتأسيس هوية فنية
في بداية الستينيات، سافر بلخياط إلى القاهرة، حيث سعى إلى تطوير مهاراته الموسيقية واكتساب خبرة أكبر. واجه تحديات كبيرة في البداية، لكنه تمكن من إثبات نفسه كفنان موهوب. شارك في بعض الأعمال السينمائية الغنائية والاستعراضية، مثل “الدنيا نغم” و”أين تخبئون الشمس”.
ومع ذلك، قرر بلخياط العودة إلى المغرب، معتمدًا على هويته الفنية المغربية، ومستلهمًا من التراث الموسيقي الغني لبلاده. كان هذا القرار نقطة تحول في مسيرته الفنية، حيث بدأ في تقديم أعمال غنائية باللغة العربية المغربية، تعبر عن قضايا وهموم المجتمع المغربي.
الأغنية المغربية ورصيد غنائي خالد
ترك عبد الهادي بلخياط رصيدًا غنائيًا متنوعًا يضم أكثر من 300 أغنية، تتناول مواضيع مختلفة مثل الحب، الوطن، الاجتماعية، والدين. تميزت أغانيه بالكلمات الجميلة، والألحان العذبة، والأداء الصوتي المتميز. من أشهر أغانيه “يا بنت الناس”، “رموش”، “الهاتف”، “الموعد”، و”القمر الأحمر”.
تعاون بلخياط مع كبار الملحنين والشعراء المغاربة، مثل عبد السلام عامر، وعبد النبي الجيراري، ونزار قباني. وقد ساهمت هذه التعاونات في إثراء الموسيقى المغربية وتقديم أعمال فنية ذات جودة عالية. كما قدم بلخياط العديد من الأناشيد الدينية والأغاني الوطنية التي لاقت استحسانًا كبيرًا.
الاعتزال والاتجاه نحو الأغنية الدينية
في عام 2012، أعلن بلخياط اعتزاله العمل الفني، مفضلاً التفرغ للأعمال الدينية والروحانية. وقد أثار هذا القرار استياء الكثير من محبيه، لكنه أكد أنه كان قرارًا شخصيًا نابعًا من قناعته الداخلية. استمر بلخياط في تقديم الأناشيد الدينية والمشاركة في بعض المناسبات الوطنية والدينية.
وقد أرجع بلخياط قراره بالاعتزال إلى رغبته في التقرب إلى الله، والتركيز على الأعمال الصالحة. وأكد أنه لا يندم على مسيرته الفنية، وأنها كانت جزءًا مهمًا من حياته، لكنه شعر بأنه حان الوقت للتحول إلى مرحلة جديدة.
إرث فني وثقافي
يمثل رحيل عبد الهادي بلخياط خسارة كبيرة للمشهد الفني والثقافي المغربي. فقد كان الفنان الراحل رمزًا للإبداع والتميز، وقد ترك بصمة واضحة في تاريخ الفن المغربي. ستظل أغانيه خالدة في ذاكرة الأجيال، وستستمر في إلهام الفنانين والمبدعين.
من المتوقع أن تنظم وزارة الشباب والثقافة والتواصل المغربية احتفالات تأبينية لتكريم الفنان الراحل، وتقدير مسيرته الفنية. كما من المرجح أن يتم إطلاق مبادرات للحفاظ على إرثه الفني والثقافي، ونشره بين الأجيال القادمة. وستظل أعماله الفنية متاحة للجمهور من خلال مختلف الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية.





