عقوبات أمريكية تقلص نفط إيران للصين والسعودية تعزز مشتريات الوقود الروسي

تتسارع إعادة رسم خريطة تجارة الطاقة بين آسيا والشرق الأوسط مع تراجع عروض النفط الإيراني وارتفاع أسعاره نتيجة فرض قيود أمريكية جديدة، بينما تستوعب السعودية كميات كبيرة من الوقود الروسي المخفض للاستخدام المحلي في توليد الكهرباء. يتصدر هذا التحول محاور اقتصادية وسياسية تؤثر على مصافي التكرير الصينية وأسواق التصدير الإقليمية.
بحسب تقارير رويترز وبيانات شركة كبلر ومجموعة بورصات لندن، أعاد الحصار الأمريكي على موانئ إيران في 13 يوليو/تموز ضغطه على إمدادات الخام الخاضع للعقوبات، في وقت تستفيد السعودية من وفرة زيت الوقود والمنتجات الثقيلة الروسية للحد من حرق الخام ذي القيمة العالية محلياً.
النفط الإيراني يفقد خصوماته ويواجه قيود الشحن
أدت قيود الشحن وإعادة فرض الحصار إلى تقلُّص العروض من النفط الإيراني إلى مشتريْن رئيسيين مثل الصين، إذ انخفضت الشحنات المعروضة لتسليم سبتمبر وأكتوبر مقارنة بالأشهر السابقة، وفقاً لمصادر تجارية نقلت عنها رويترز. وتظهر بيانات كبلر تراجع المخزونات العائمة من 105 ملايين برميل قبل الحصار إلى نحو 80 مليون برميل حالياً.
تأثرت المصافي المستقلة في إقليم شاندونغ لكونها من أكبر مشتري النفط الإيراني الخاضع للعقوبات؛ إذ أبلغت مصادر أن بعض الشحنات التي كانت تُعرض بخصومات بدأت تُباع بعلاوات تصل إلى نحو دولارين فوق عقود برنت الآجلة، مقارنة بخصومات تقارب ثلاثة دولارات سابقاً. وفي ضوء هذا التحول، تبحث المصافي عن بدائل لتغطية احتياجاتها.
تُظهِر أرقام واردات الصين من النفط الإيراني تقلبات خلال الصيف؛ بلغت نحو 785 ألف برميل يومياً في يونيو، وصعدت على الأرجح إلى 823 ألفاً في يوليو، ثم انخفضت إلى نحو 534 ألف برميل يومياً حتى الآن في أغسطس، مقارنة بمتوسط سنوي أعلى العام الماضي، بحسب بيانات كبلر. ومع تهديد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بـ”أقسى العقوبات”، فإن مشتريين محددين قد يواجهون تداعيات قانونية.
السعودية تستوعب الوقود الروسي وتقلص حرق الخام المحلي
في المقابل، تظهر بيانات متعاملين ومجموعة بورصات لندن أن السعودية بقيت أكبر وجهة لزيت الوقود وزيت الغاز الفراغي الروسي في يوليو، حيث وصلت الشحنات إلى نحو 1.1 مليون طن، رغم تراجع طفيف عن يونيو. وتستغل السعودية هذه الواردات بأسعار مخفضة لتشغيل محطات الكهرباء، مما يسمح لها بالاحتفاظ بكميات أكبر من الخام الأعلى قيمة للتصدير.
كما ارتفعت صادرات روسيا من هذه المنتجات إلى سنغافورة وماليزيا بنحو 2.5 مرة على أساس شهري إلى حوالي 470 ألف طن في يوليو. بينما توقفت الشحنات إلى الهند في يوليو بعد استقبالها نحو 150 ألف طن في يونيو، وبقيت ناقلات محملة بمنتجات ثقيلة قرب قناة السويس بحالة دون وجهة معلومة.
أثَّر تكرار الهجمات بطائرات مسيّرة على بعض المنشآت والموانئ الروسية على قدرة الصادرات، ما أسهم في انخفاض إجمالي شحنات زيت الوقود وزيت الغاز الفراغي المنقولة بحراً بنحو 12% شهرياً إلى حوالي 2.4 مليون طن، وفق بيانات بورصات لندن.
تداعيات العقوبات وتحول سلاسل الإمداد
تعكس التحركات الأخيرة كيف تعيد العقوبات والقيود البحرية توجيه تدفقات الطاقة نحو أسواق بديلة، وتزيد أهمية الخصومات والقدرة على الوصول إلى المشترين وتكاليف النقل في تحديد مسار التجارة. وتشير التقارير إلى أن المصافي الصينية المستقلة تتجه للبحث عن خامات بديلة من البرازيل والعراق لتقليل الاعتماد على الإمدادات الإيرانية والروسية.
من ناحية أخرى، يضغط هذا التحول على هوامش الربح لدى مصافي مثل تلك في شاندونغ التي تعتمد جزئياً على الخام الخاضع للعقوبات، بينما يوفر وصول الوقود الروسي بأسعار منخفضة ميزة مؤقتة لدول مثل السعودية لتخفيف استخدام الخام المخصص للتصدير في محطات التوليد.
خيارات الشراء والمسار المستقبلي للتجارة
بحسب محللين في إنرجي أسبيكتس وكبلر، تبحث المصافي عن مصادر متنوعة لتأمين إمداداتها، بما في ذلك خامات من البصرة والبرازيل وغيرها. في الوقت نفسه، تظل مراقبة أنشطة الناقلات وصناديق التخزين العائم أمراً أساسياً لتقدير مدى فاعلية الحصار ومرونته أمام محاولات التحايل.
كما أن قدرة المشترين على الالتزام بالقيود القانونية والتعامل مع مخاطر الشحن والرقابة تشكل عاملاً حاسماً في بقاء أو تحول تدفقات النفط والمنتجات، لا سيما مع وعود وتشديدات من مسؤولين أمريكيين بشأن تشديد العقوبات على المشترين والمحيطات التي تعبر منها الناقلات.
ماذا ينتظر الأسواق؟
في المستقبل القريب، من المتوقع أن تستمر التحولات مع مراقبة صانعي السياسات لردود فعل التجارة والأسواق، ومع احتمال إجراءات إضافية قد تغير حسابات المخاطر لدى المشترين. ينبغي مراقبة حجم المخزون العائم، وتدفقات الشحن إلى مراكز التكرير الآسيوية، وإجراءات دولية جديدة خلال الأسابيع المقبلة.
المراقبون سيقيسون تأثير هذا التحول على الأسعار العالمية والقدرة التصديرية للدول المعنية، وكذلك على استراتيجيات المصافي التي قد تتجه لتأمين عقود طويلة الأمد مع موردين بديلين. لذلك، يبقى تتبع بيانات كبلر، ومجموعة بورصات لندن، وتقارير رويترز خطوة أساسية لمعرفة مسار تجارة النفط الإيراني والوقود الروسي خلال الشهور القادمة.





