كاتب إسباني: خطوة رمزية أجهضت مشروع السيطرة على غرينلاند

أكدت مقالة رأي نشرت في صحيفة إسبانية مرموقة أن رد فعل الاتحاد الأوروبي على التهديدات الأمريكية المحتملة بضم جزيرة غرينلاند، والذي تميز بمزيج من الدبلوماسية القوية والردع الحازم، قد نجح في ثني الولايات المتحدة عن المضي قدمًا في خططها التوسعية. وقد أظهرت هذه الحادثة أهمية الحفاظ على السيادة وحماية المصالح الوطنية في عالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، وأبرزت دور السيادة كعنصر أساسي في العلاقات الدولية.
ووفقًا للكاتب خافيير فيدال فولش، فإن هذه الخطوة الأوروبية لم تكن مجرد رد فعل على تهديد محدد، بل كانت بمثابة رسالة واضحة مفادها أن أوروبا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة لتقويض سيادتها أو تقرير مصير شعوبها. وقد أثارت هذه القضية تساؤلات حول طبيعة التحالفات الدولية، خاصةً العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة، وأظهرت أن حتى أقرب الحلفاء قد يتبنون مواقف تتعارض مع مصالح بعضهم البعض.
أهمية الرد الأوروبي في الحفاظ على السيادة
أظهرت ردة فعل الاتحاد الأوروبي على التلويح الأمريكي بالضم المحتمل لغرينلاند تحولًا في الاستراتيجية الأوروبية، حيث لم تعد تعتمد بشكل كامل على الحلفاء التقليديين في حماية مصالحها. فقد أرسل الاتحاد الأوروبي أربع زوارق حربية وعشرات الجنود إلى غرينلاند، وهي خطوة رمزية تهدف إلى إظهار التضامن مع الدنمارك، التي تتمتع بالسيادة على الجزيرة، والتأكيد على حق سكانها في تقرير المصير.
بالإضافة إلى ذلك، هدد الاتحاد الأوروبي بفرض إجراءات جمركية انتقامية ضد الولايات المتحدة بقيمة 93 مليار يورو، وهو ما يعادل حوالي 110 مليارات و484 مليون دولار. كما لوح الاتحاد الأوروبي بتفعيل اللوائح التي تسمح بحظر شركات التكنولوجيا المرتبطة بإيلون ماسك وشركائه في أوروبا. هذه التهديدات الاقتصادية كانت بمثابة ورقة ضغط إضافية على واشنطن، وأجبرتها على إعادة النظر في خططها.
التصدع في “العائلة الغربية”
ويرى الكاتب أن هذه الحادثة تمثل منعطفًا فاصلًا في تاريخ التحالف بين ضفتي الأطلسي، وتصدعًا كبيرًا داخل ما يُعرف بـ “العائلة الغربية”. ويشير إلى أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) قد فقد جزءًا من مصداقيته، وأن الثقة بين الحلفاء قد تراجعت بشكل ملحوظ.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا التصدع لا يعني بالضرورة نهاية التحالف الغربي، بل قد يدفع إلى إعادة تقييم العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة، وإلى البحث عن آليات جديدة لضمان التعاون والتنسيق في المستقبل.
الوضع الاستراتيجي لغرينلاند
تكتسب جزيرة غرينلاند أهمية استراتيجية متزايدة في ظل التغيرات المناخية وتزايد الاهتمام بالقطب الشمالي. تضم الجزيرة قاعدة بيتوفيك الفضائية الأمريكية، التي تلعب دورًا حيويًا في أنظمة الدفاع الصاروخي والمراقبة الفضائية. ويسمح موقع القاعدة، في أقصى شمال الكرة الأرضية، لرادارها باكتشاف الصواريخ في اللحظات الأولى من إطلاقها.
على الرغم من أن الحضور العسكري الأمريكي في غرينلاند قد تقلص في العقود الأخيرة، إلا أنه لا يزال كبيرًا، حيث توجد قاعدة عسكرية واحدة رئيسية بالإضافة إلى عدد من المنشآت الأخرى. وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز حضورها في الجزيرة، وذلك من خلال تحديث البنية التحتية العسكرية وإقامة شراكات جديدة مع الدنمارك.
تعتبر قضية السيادة على غرينلاند مرتبطة بشكل وثيق بقضايا أخرى، مثل التغير المناخي، والسباق نحو الموارد في القطب الشمالي، والأمن الإقليمي. فقد أدى ذوبان الجليد في القطب الشمالي إلى فتح طرق ملاحية جديدة، وإلى زيادة إمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية، مما أثار صراعًا بين الدول المتطلعة إلى السيطرة على هذه المنطقة.
كما أن قضية الأمن القومي الأمريكي تلعب دورًا مهمًا في تحديد سياستها تجاه غرينلاند. فقد ترى الولايات المتحدة أن وجودها العسكري في الجزيرة ضروري لحماية مصالحها الاستراتيجية، ولردع أي تهديدات محتملة.
في سياق متصل، تشهد العلاقات بين الدنمارك والولايات المتحدة بعض التوتر، حيث تعرب الدنمارك عن قلقها بشأن التوسع الأمريكي في غرينلاند، وتؤكد على أهمية احترام سيادتها وحقوق سكان الجزيرة.
من المتوقع أن تستمر قضية السيادة على غرينلاند في إثارة الجدل والنقاش في المستقبل القريب، خاصةً في ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة وتزايد الاهتمام بالقطب الشمالي.
وفي الختام، من المرجح أن يشهد العام القادم (2027) مزيدًا من المفاوضات بين الولايات المتحدة والدنمارك بشأن الوضع المستقبلي لغرينلاند، مع التركيز على قضايا الأمن والتعاون الاقتصادي. يبقى من غير المؤكد ما إذا كانت هذه المفاوضات ستؤدي إلى حل دائم، أم أنها ستفتح الباب أمام مزيد من الخلافات والتوترات.



