كاتب: ترامب تجاوز كل الحدود وآن أوان قطيعة أوروبا مع أميركا

حذرت مقالة حديثة من أن التطلعات الأمريكية لضم غرينلاند ليست مجرد فكرة عابرة، بل هي امتداد لرؤية تاريخية قديمة تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وتسعى إلى إقامة إمبراطورية أمريكية جديدة. وتأتي هذه التحذيرات في ظل تزايد التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتحديداً فيما يتعلق بالسيادة والنفوذ العالمي. المقال يدعو أوروبا إلى التكاتف وتشكيل اتحاد فدرالي قوي لحماية مصالحها والدفاع عن قيمها الديمقراطية في مواجهة السياسات الأمريكية المتصاعدة.
وتزامن نشر المقال مع اجتماع عُقد في البيت الأبيض الأربعاء الماضي، جمع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ووزير الخارجية مارك روبيو مع مسؤولين من الدانمارك وحكومة غرينلاند، لمناقشة مستقبل الجزيرة القطبية. هذا الاجتماع أثار قلقًا واسعًا في الأوساط الأوروبية، وأعطى زخمًا للتحذيرات التي تتحدث عن مخططات أمريكية طويلة الأمد للسيطرة على المنطقة.
تطلعات أمريكا في غرينلاند: نظرة تاريخية
أكد الكاتب ألكساندر هيرست أن أوروبا تواجه لحظة حاسمة في علاقاتها مع الولايات المتحدة، وأن سياسة التردد والمراوغة لم تعد خيارًا متاحًا. ويرى أن هناك انزلاقًا واضحًا نحو منطق الهيمنة بالقوة من جانب الإدارة الأمريكية الحالية. هذا الانزلاق، بحسب المقال، يتجلى في محاولات التأثير على السياسات الأوروبية، والضغط على الحلفاء، وحتى التلويح بالاستيلاء على أراضٍ تابعة لهم.
وتساءل هيرتس عما إذا كانت أوروبا تمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بأن إدارة الرئيس ترامب لم تعد تكتفي بانتقاد النظام الدولي القائم، بل بدأت في اتخاذ خطوات ملموسة لتقويض هذا النظام وإعادة تشكيله بما يخدم مصالحها الخاصة. ويشير إلى أن هذه الخطوات تتضمن تحدي القوانين الدولية، وتجاهل الأعراف الدبلوماسية، والاعتماد على القوة العسكرية والضغط الاقتصادي لتحقيق أهدافها.
جذور الفكرة: تكنوقراطية أميركا
ويرى الكاتب أن مساعي ترامب في غرينلاند ليست وليدة اللحظة، بل هي جزء من مشروع أوسع نطاقًا تروج له حركة “ماغا” لإحياء فكرة إمبراطورية أمريكية جديدة. هذه الفكرة، كما يوضح المقال، تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وتجسدت في حركة عُرفت باسم “تكنوقراطية أميركا”.
وتعتمد هذه الحركة على رؤية جيوسياسية طموحة، تهدف إلى إقامة اتحاد يضم معظم أمريكا الشمالية وأجزاء من أمريكا الجنوبية تحت الهيمنة والسيطرة الأمريكية. ويمتد هذا الاتحاد، وفقًا للخرائط التي اشتهرت بها الحركة، من غرينلاند مرورًا بكندا والمكسيك وكوبا وفنزويلا وصولًا إلى غويانا الفرنسية. هذه الخرائط، التي انتشرت على نطاق واسع في أوساط أنصار ترامب خلال انتخابات 2024، تعكس رغبة في استعادة النفوذ الأمريكي في المنطقة، وإعادة تشكيل الخريطة السياسية للعالم.
وقد تقدم عضو جمهوري في الكونغرس عن ولاية فلوريدا بمشروع قانون لضم غرينلاند وجعلها الولاية الأمريكية رقم 51، وذلك وسط تهديدات الرئيس ترامب بالاستيلاء على الجزيرة التي تتبع الدانمارك وتتمتع بحكم ذاتي. هذا المشروع، وإن كان يفتقر إلى الدعم السياسي اللازم، يعكس مدى جدية التفكير في هذه الفكرة في بعض الأوساط الأمريكية.
الرد الأوروبي المحتمل: نحو اتحاد فدرالي
ويؤكد الكاتب أن هذا التطور يضع أوروبا أمام تحدٍ وجودي، ويتطلب منها اتخاذ موقف حاسم. ويرى أن أي اعتداء أمريكي على الدانمارك عبر غزو غرينلاند يعني عمليًا إعلان حرب على الاتحاد الأوروبي، وبالتالي يجب على أوروبا أن تستعد لهذا الاحتمال. ويقترح أن يكون الرد الأوروبي هو التحول الفوري إلى “اتحاد فدرالي” متين، يكون بمثابة حصن يحمي الديمقراطية وسيادة القانون من الإمبريالية الأمريكية الصاعدة.
ويتطلب هذا التحول، بحسب المقال، اتخاذ إجراءات جذرية تشمل الاستيلاء على القواعد العسكرية الأمريكية في ألمانيا وإسبانيا، وفرض عقوبات فردية على مجموعة واسعة من المسؤولين الحكوميين الأمريكيين، وعقوبات شاملة ضد الاقتصاد الأمريكي. هذه الإجراءات، وإن كانت قد تبدو متطرفة، إلا أنها ضرورية لحماية المصالح الأوروبية، وردع أي محاولة لتقويض سيادة الدول الأعضاء في الاتحاد.
في الختام، يرى الكاتب أن أوروبا تواجه خيارًا صعبًا: إما أن تختار صدمة الانفصال وتكلفتها، أو أن تدفع أثمان الأزمات التي ستفرضها واشنطن عليها. ويؤكد أن مستقبل القارة يعتمد على قدرتها على التكاتف واتخاذ قرارات جريئة لحماية مصالحها وقيمها. من المتوقع أن يناقش قادة الاتحاد الأوروبي هذه القضية في اجتماعهم القادم في بروكسل، في محاولة لإيجاد حلول توافقية لمواجهة هذا التحدي المتزايد. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت أوروبا ستتمكن من التغلب على خلافاتها الداخلية، واتخاذ موقف موحد في مواجهة الولايات المتحدة.





