كيف تثبت كنائس القدس رعاياها وما حكاية الفقراء الجدد؟

تلعب الكنائس في القدس دورًا حيويًا في الحفاظ على النسيج الاجتماعي للمدينة، وتقديم الدعم الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع المحلي، وخاصةً في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المسيحيين في القدس. وتواجه هذه المؤسسات ضغوطًا كبيرة للحفاظ على وجودها وخدماتها في مواجهة التغيرات السياسية والاقتصادية المستمرة، وتسعى جاهدة لتثبيت الجذور العميقة للمسيحيين العرب في المدينة المقدسة.
وفقًا لتقديرات تاريخية، كان عدد المسيحيين في القدس حوالي 30 ألف نسمة في عام 1947، أي ما يعادل تقريبًا عدد المسلمين في تلك الفترة. ومع ذلك، شهدت المدينة هجرة قسرية واسعة النطاق خلال فترة النكبة عام 1948، أدت إلى انخفاض كبير في عدد المسيحيين. تشير الإحصائيات الحالية إلى أن عدد المسيحيين في القدس لا يتجاوز 9900 نسمة، يتوزعون على 13 كنيسة رسمية مختلفة الطوائف.
دور الكنائس في دعم المجتمع المحلي
تعتبر الكنائس في القدس ركيزة أساسية في تقديم الخدمات للمجتمع، وتشمل هذه الخدمات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية. وتستثمر الكنائس بشكل كبير في إنشاء المدارس والمستشفيات والمراكز الاجتماعية التي تخدم جميع أفراد المجتمع دون تمييز، مما يعكس التزامها الراسخ بالقيم الإنسانية والاجتماعية.
يشير جورج عكروش، مدير دائرة التنمية والتطوير في البطريركية اللاتينية في القدس، إلى أن الكنيسة لديها عقيدة أساسية ترتكز على كرامة الإنسان، وأنه يجب ألا يعيش الإنسان في حالة إهانة أو فقر. لذلك، تركز الكنائس على مساعدة الفئات المهمشة وتقديم الدعم اللازم لهم لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة
تواجه الكنائس في القدس تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، من بينها انهيار القطاع السياحي بسبب جائحة كورونا وتداعيات الحرب على غزة. وقد أثر هذا الانهيار بشكل كبير على الموارد المالية للكنائس، مما أدى إلى صعوبة في تقديم الدعم اللازم للمجتمع. الوضع الاقتصادي يتدهور باستمرار، وزيادة تكاليف المعيشة تضغط على الأسر المقدسية.
نتيجة لهذه الظروف، يواجه العديد من المسيحيين في القدس صعوبات في الحفاظ على سبل عيشهم، وقد اضطروا إلى طلب المساعدة من الكنائس لتلبية احتياجاتهم الأساسية. وقد ارتفعت نسبة المستفيدين من خدمات الكنيسة الاجتماعية بنسبة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مما يشير إلى تزايد الحاجة إلى الدعم والمساعدة.
المسيحيون في القدس: عامل تثبيت للهوية
تلعب الكنائس دورًا حيويًا في تعزيز التماسك المجتمعي والحفاظ على الهوية العربية المسيحية في القدس. فهي تسعى جاهدة لتقديم التعليم عالي الجودة للأجيال القادمة، وتعزيز قيم التسامح والتعايش بين جميع أفراد المجتمع. كما تحافظ الكنائس على التراث الثقافي والديني للمسيحيين في القدس، وتعمل على إبراز مساهمتهم في تاريخ المدينة وحضارتها.
على الرغم من التحديات السياسية والاجتماعية، فإن الكنائس تواصل جهودها لدعم رعاياها والحفاظ على وجودهم في القدس. ويشمل ذلك تقديم المساعدة القانونية والمالية للمتضررين من سياسات الاحتلال، والدفاع عن حقوقهم في الحصول على الخدمات الأساسية والعيش بكرامة. وحسب الدكتور عودة قوّاس، فإن الكنائس لا تسعى لـ “طلب الحماية” بل لتعزيز حقوق المواطنة للمسيحيين.
تشير التقديرات إلى أن الكنائس تساهم بشكل كبير في دعم الاقتصاد المحلي في القدس، من خلال توفير فرص العمل وتشجيع الاستثمار في المشاريع الاجتماعية والاقتصادية. كما تعمل الكنائس على تطوير البنية التحتية للمدينة، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
في الختام، يظل مستقبل المسيحيين في القدس معلقًا بالعديد من العوامل السياسية والاقتصادية. من المتوقع أن تستمر الكنائس في لعب دور حاسم في دعم المجتمع المحلي والحفاظ على الهوية العربية المسيحية، مع التركيز على تقديم المساعدة للفئات الأكثر ضعفًا وتعزيز التماسك المجتمعي. إلا أن الضغوطات المتزايدة وتحديات الاستيلاء على الأملاك والقيود المفروضة على العمل الكنسي تثير قلقًا بشأن قدرة الكنائس على الاستمرار في خدماتها على المدى الطويل، وهو ما يستدعي مراقبة دقيقة لتطورات الوضع وتقييم الأثر المحتمل على مستقبل الوجود المسيحي في المدينة المقدسة.





