Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

كيف تحولت المدينة من حضن إلى سجن في الروايات العربية؟

لم تعد المدينة كما نعرفها، فضاءً للتقارب الاجتماعي وتشكيل الهوية، بل تحولت في العديد من الروايات العربية المعاصرة إلى تجسيد للقمع والعزلة الطبقية. هذا التحول ليس مجرد تطور في أساليب السرد، بل يعكس تغييرات جذرية في طبيعة المدن العربية والمجال العام وعلاقته بالفرد، وهو ما يستدعي إعادة النظر في دور المدينة في الثقافة العربية الحديثة.

تظهر هذه التحولات بوضوح في أعمال روائية حديثة، حيث لم تعد المدينة مجرد خلفية للأحداث، بل أصبحت شخصية فاعلة، وغالباً ما تكون سلبية، تؤثر في مصائر الأفراد وتُعيق تفاعلهم الاجتماعي. هذا التغيير يعكس حالة من الانفصال والتهميش يعاني منها الكثيرون في المدن العربية اليوم.

تغير دور المدينة في الرواية العربية المعاصرة

يشير الناقد إدوارد سعيد في كتابه “الثقافة والإمبريالية” إلى أن الفضاءات التي كانت تعزز التفاعل الاجتماعي تتحول تحت ضغط السلطة إلى “أمكنة إدارة لا أمكنة مشاركة”. هذا التحول يفسر سبب تراجع دور المدينة كحاضنة للتعدد والاجتماع في الروايات العربية المعاصرة، حيث يميل الأفراد إلى الانكفاء والعزلة بدلاً من المشاركة الفعالة في الحياة العامة.

ففي الماضي، كانت المدينة العربية، كما صوّرها نجيب محفوظ في أعماله، مساحة حيوية تنتج العلاقات الاجتماعية وتحتوي الأماكن التي تساهم في تشكيل الهوية والمصير. الحي، المقهى، الدكان، والشارع كانت كلها عناصر أساسية في نسيج المدينة وتفاعلاتها الاجتماعية. ولكن مع توسع الدولة الأمنية وتزايد الرقابة، بدأت هذه المساحات تتآكل وتفقد قدرتها على احتضان التنوع.

المدينة كجهاز قمعي في “في غرفة العنكبوت”

تجسد رواية “في غرفة العنكبوت” لمحمد عبد النبي هذا التحول بشكل صارخ. فالمدينة، القاهرة تحديداً، حاضرة بالاسم، لكن النسيج الاجتماعي غائب تماماً. تحولت القاهرة إلى “جهاز إقصاء” لا يترك مجالاً للتفاعل أو المشاركة، بل يدفع الأفراد إلى الاختباء والانكفاء في الداخل النفسي خوفاً من المراقبة والقمع.

يرى الناقد صبري حافظ أن الرواية العربية بعد 2011 بدأت تنقل الصراع من الشارع إلى الغرفة، ومن الجماعة إلى الجسد، وهذا ليس انسحاباً من السياسة، بل إعادة تموضع للسرد في مواجهة مجال عام لم يعد قابلاً للاستخدام. فالمدينة لم تعد مكاناً آمناً للتعبير عن الذات أو ممارسة الحقوق، بل أصبحت مصدراً للخوف والتهديد.

المدينة كمؤسسة اقتصادية في “مدن الملح”

من منظور مختلف، يقدم الروائي عبد الرحمن منيف في خماسية “مدن الملح” تصويراً للمدينة بوصفها بنية اقتصادية خالصة. فالمدن النفطية لا تنمو بشكل طبيعي، بل تتشكل وفقاً لمنطق الإنتاج والربح. الإنسان هنا يصبح مجرد عنصر قابل للاستبدال داخل هذه المؤسسة الاقتصادية، و”شكل” المدينة موجود لكنه لا ينتج مجتمعاً حقيقياً.

يرى الناقد الأمريكي فريدريك جيمسون أن هذا التحول يعكس طبيعة الحداثة المتأخرة، حيث يتم تحويل الفضاء إلى وظيفة، وإعادة تعريف المكان وفقاً لمنطق الإنتاج والرقابة. “مدن الملح” ليست مجرد نقد للمدينة، بل هي تفكيك لها وكشف عن بنيتها الداخلية وعلاقات القوة التي تحكمها.

العزلة الطبقية في “ترمي بشرر”

تُظهر رواية “ترمي بشرر” لعبده خال بُعداً آخر لتحول المدينة، وهو العزلة الطبقية. فالمدينة تصبح مسرحاً مغلقاً للهيمنة، حيث تختفي فكرة المجال المشترك لصالح فضاءات خاصة تنتج العنف الرمزي. هناك مساحة للأقوياء ومساحة غير مرئية للضعفاء، والعلاقات لا تتم بشكل أفقي، بل تدار عمودياً عبر السيطرة والرعب.

يشير الناقد عبد الله الغذامي إلى أن السرد السعودي الحديث لم يعد يشتغل على “المجتمع” بقدر ما يشتغل على “السلطة داخل المكان”. هذا يعني أن الرواية لم تعد تهتم بتصوير الحياة الاجتماعية بشكل عام، بل تركز على علاقات القوة والتفاوتات الاجتماعية التي تميز المدينة.

تتفق هذه الروايات الثلاث في أنها توثق تحولاً عميقاً في علاقة الفرد بالمدينة. المدينة لم تعد قادرة على جمع أبنائها حولها وأداء دورها التقليدي في إنتاج الهوية والعلاقات الاجتماعية. لقد أصبحت مكاناً للخوف والقمع والعزلة، وتتطلب من الأفراد أن يتكيفوا مع هذه الظروف الجديدة أو أن يجدوا طرقاً للهروب منها.

من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في الرواية العربية المعاصرة، حيث ستظل المدينة موضوعاً رئيسياً للتأمل والنقد. سيكون من المهم متابعة كيف سيتعامل الروائيون العرب مع هذا التحول، وما هي البدائل التي سيقترحونها لبناء مدن أكثر عدلاً وإنصافاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى