Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
دولي

هل تنسحب فرنسا من الناتو كما فعل ديغول قبل 6 عقود؟

يتزايد الحديث حول مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحتمال خروج فرنسا منه، في ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة. هذا الجدل يعيد إلى الأذهان سابقة تاريخية، عندما اتخذت باريس قرارًا مماثلًا في عام 1966، مما يثير تساؤلات حول إمكانية تكرار هذا السيناريو وتداعياته المحتملة على الأمن الأوروبي والعالمي.

صحيفة “فيدوموستي” الروسية نشرت مقالًا للكاتب أنطون أوسيبوف يتناول هذا الموضوع، مشيرًا إلى أن طموحات ترامب تجاه غرينلاند ساهمت في فتح الباب أمام هذه التكهنات. بينما يلمح ترامب إلى ضعف الحلف في حال عدم مشاركة الولايات المتحدة، يبحث قادة أوروبيون عن آليات دفاعية بديلة، وتصاعدت الأصوات في فرنسا المطالبة بالخروج من الحلف.

مستقبل الناتو: هل تكرر فرنسا تجربتها التاريخية؟

أعدت كليمانس غيتيه، نائبة رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية، مشروع قرار يدعو إلى مغادرة فرنسا للناتو، معتبرة أن السياسات الأمريكية الحالية تمثل “سياسة إمبريالية سافرة”. وتشير التحليلات إلى أن آلية الانفصال ليست معقدة، وأن دولتين سبقتا لفرنسا في هذه الخطوة، وهما اليونان في عام 1974 وفرنسا نفسها قبل ستة عقود.

ففي عام 1949، كانت فرنسا من بين الدول الـ12 المؤسسة للناتو، وكان مقر الحلف الرئيسي يقع في باريس منذ عام 1956. ومع ذلك، في مارس/آذار 1966، كشفت الرسائل المتبادلة بين الرئيس الفرنسي شارل ديغول ونظيره الأمريكي ليندون جونسون عن نية فرنسا الانسحاب من الحلف، وذلك بهدف استعادة سيادتها الكاملة.

خلافات تاريخية بين باريس وواشنطن

أوضح ديغول في رسالته أنه يرى ضرورة لعودة فرنسا إلى السيطرة الكاملة على أراضيها، وإنهاء الوجود الدائم للقوات الأجنبية واستخدام مجالها الجوي. كما طالب بإنهاء مشاركة فرنسا في القيادة العسكرية الموحدة للناتو، ورفض وضع قواتها المسلحة تحت تصرف الحلف. ومع ذلك، أبدى ديغول استعداده للتعاون مع الحلفاء في حال تعرضهم لهجوم غير مبرر، مع التأكيد على أن هذا التعاون سيكون طوعيًا وليس إلزاميًا.

لم يكن هذا الموقف مفاجئًا، إذ كانت فرنسا تعبر عن استيائها من الدور المهيمن للولايات المتحدة في الحلف منذ فترة طويلة. ففي عام 1958، أرسل ديغول مذكرة إلى واشنطن ولندن انتقد فيها عدم كفاية الناتو لتلبية احتياجات فرنسا الدفاعية، وطالب بتعزيز دورها في الحلف.

تراكمت الخلافات أيضًا حول قضية الأسلحة النووية. بينما كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا تمتلك قنابل نووية، اعتقد الأمريكيون أن فرنسا لا تحتاج إلى تطوير سلاحها الخاص طالما أن القنابل الأمريكية متوفرة لحمايتها. ويرى بعض المؤرخين أن رفض الولايات المتحدة استخدام السلاح النووي لإنقاذ الجيش الفرنسي في معركة ديان بيان فو عام 1954 كان نقطة تحول رئيسية في علاقة فرنسا بالناتو.

الخروج والعودة: مسار معقد

بعد إعلان ديغول عن نيته الانسحاب، غادرت قوات الناتو فرنسا في مارس/آذار 1967، وشمل ذلك إخلاء القواعد العسكرية ورحيل الآلاف من الجنود وعائلاتهم. وانتقل مقر الحلف من باريس إلى بروكسل في العام نفسه، لكن فرنسا حافظت على علاقات وثيقة بالناتو وشاركت في بعض أنشطته السياسية.

في التسعينيات، بدأت فرنسا في العودة تدريجيًا إلى هياكل الناتو، وفي عام 2009، أعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عن عودة كاملة لفرنسا إلى الحلف، باستثناء لجنة التخطيط النووي، وذلك للحفاظ على استقلالية عقيدتها النووية. هذا التحول يعكس التغيرات في السياسة الفرنسية والظروف الجيوسياسية التي أدت إلى إعادة تقييم دور فرنسا في الناتو.

الوضع الحالي يختلف عن عام 1966، حيث أن التهديدات الأمنية التي تواجه أوروبا أكثر تعقيدًا وتنوعًا. ومع ذلك، فإن تصاعد النزعات القومية في بعض الدول الأوروبية، وتشككها في فعالية الناتو، قد يؤدي إلى إعادة فتح النقاش حول مستقبل الحلف. من المتوقع أن يشهد الأشهر القادمة مزيدًا من الجدل والنقاش حول هذا الموضوع، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية في عام 2027، والتي قد تؤثر على موقف فرنسا من الناتو.

في الختام، يبقى مستقبل فرنسا في الناتو غير واضحًا، ويتوقف على التطورات السياسية والأمنية في أوروبا والعالم. من المهم مراقبة التطورات في هذا الملف، وتحليل المواقف المختلفة للدول الأعضاء في الحلف، لفهم التحديات والفرص التي تواجه الناتو في المرحلة القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى