Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

وثائقي “استعمار مزدوج”.. عندما يرفض الجرح أن يلتئم في غرينلاند

تشكّلت الهوية في جزيرة غرينلاند نتيجة صراع طويل الأمد حول حق تحديد الانتماء، وعاش المجتمع الغرينلاندي سنوات عديدة في حالة من عدم اليقين بين الذاكرة الجماعية والسرديات المفروضة. الفيلم الوثائقي “استعمار مزدوج” (Twice Colonized) للمخرجة لين ألونا، يلقي الضوء على هذا الصراع المستمر، ويقدم شهادة مؤثرة حول تأثير الاستعمار على حياة السكان الأصليين في غرينلاند.

يستكشف الفيلم، الذي عُرض مؤخرًا، قضايا الهوية والاستعمار وحقوق الشعوب الأصلية من خلال قصة آغو بيتر، المحامية والناشطة الإنويتية. تتناول ألونا من خلال هذا العمل الوثائقي، تجربة شخصية عميقة كمدخل لفهم تاريخ أوسع من الهيمنة والاضطهاد في المنطقة.

جذور الصراع: نظرة على تاريخ الاستعمار في غرينلاند

لا يقتصر تأثير الاستعمار على السياسة والاقتصاد في غرينلاند، بل يتجلى أيضًا في الجسد واللغة والعلاقات الاجتماعية. على الرغم من أن الدنمارك غالبًا ما تصف علاقتها بغرينلاند بأنها علاقة تنموية، إلا أن الفيلم يكشف عن الجوانب الأكثر قتامة لهذه العلاقة، وكيف كانت “الرعاية” في كثير من الأحيان بمثابة شكل من أشكال السيطرة.

يركز الفيلم على مفهوم “الاستعمار الداخلي”، حيث يتبنى السكان أنفسهم قيمًا ومعتقدات المستعمر، مما يؤدي إلى تآكل ثقافتهم وهويتهم الأصلية. يتجلى ذلك في الشعور بالخزي تجاه اللغة والثقافة الإنويتية، وفي الاعتقاد بأن الاعتراف والتقدير يجب أن يأتي من الخارج.

الجسد كأرشيف للتاريخ

يتميز فيلم “استعمار مزدوج” بأسلوبه الوثائقي الفريد، حيث يختار صناع الفيلم الجسد كأرشيف للتاريخ. بدلاً من الاعتماد على السرد التقليدي أو التحليل التاريخي، يعرض الفيلم تجارب شخصية ملموسة، مثل التدخل في انفصال الأسر، والفرض القسري للعلاج الطبي الحديث على السكان الأصليين، على الرغم من وجود نظام طبي تقليدي متكامل لديهم. هذه المشاهد القوية تقدم أدلة مادية على الأثر المدمر الاستعمار.

تتحدث آغو بيتر بصراحة عن الفقدان والانقطاع الذي عانت منه هي وشعبها، وتربط الألم الشخصي بالتاريخ الجماعي. وتؤكد على أهمية الذاكرة كواجب أخلاقي، ورفض النسيان كشكل آخر من أشكال العنف. هذا الموقف يتوافق مع الحركات العالمية التي تتحدى الروايات الرسمية للتاريخ الاستعماري.

تحديات الهوية والمستقبل

لا يقتصر تأثير الاستعمار على الماضي، بل يستمر في تشكيل الحاضر والمستقبل في غرينلاند. تواجه المجتمعات الإنويتية تحديات كبيرة في الحفاظ على لغتها وثقافتها وهويتها في ظل الضغوط المتزايدة للعولمة والتحديث. بالإضافة إلى ذلك، فإن التغيرات المناخية تهدد بشكل مباشر أسلوب حياتهم التقليدي، وتزيد من هشاشتهم.

يركز الفيلم أيضًا على قضية السيادة، وحق السكان الأصليين في تحديد مصيرهم بأنفسهم. وتشير آغو بيتر إلى أن السؤال لم يعد “لماذا” حدث الاستعمار، بل “كيف” نوقف هذا الظلم المستمر. هذا التحول في التركيز يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مجرد تسمية الظلم لم تعد كافية، بل يجب اتخاذ إجراءات ملموسة لوقف انتهاكات حقوق الإنسان.

يتجنب الفيلم تقديم حلول سهلة أو وصفات جاهزة، بل يركز على إثارة الأسئلة الصعبة، وتشجيع المشاهدين على التفكير النقدي في تاريخ الاستعمار وتأثيره المستمر. كما أنه يرفض فكرة “تجاوز الماضي”، ويؤكد على أهمية الاعتراف بالذاكرة الجماعية، والتعامل معها بصدق وشجاعة.

الفيلم كمنصة للنقاش

يعتبر “استعمار مزدوج” إضافة مهمة إلى النقاش العالمي حول الاستعمار وما بعد الاستعمار. من خلال التركيز على تجربة غرينلاند، يوسع الفيلم نطاق هذا النقاش، ويسلط الضوء على قضايا غالبًا ما يتم تجاهلها أو تهميشها. كما أنه يقدم نموذجًا جديدًا للسينما الوثائقية، حيث يتم إعطاء الأولوية للشهادة الشخصية والذاكرة الجماعية على التحليل التاريخي والتفسير.

من المتوقع أن يثير الفيلم نقاشًا واسعًا في الدنمارك وغرينلاند وخارجهما، وأن يلعب دورًا في تعزيز الوعي بقضايا السكان الأصليين، ودعم جهودهم في تحقيق العدالة والمساواة. في الوقت الحالي، لا توجد معلومات محددة حول الخطوات التالية المتوقعة، ولكن من المرجح أن يتم عرض الفيلم في المزيد من المهرجانات السينمائية، وأن يتم توزيعه على نطاق أوسع في المستقبل القريب. من المهم متابعة ردود الفعل على الفيلم، وتأثيره على السياسات والممارسات المتعلقة بحقوق السكان الأصليين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى