Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اقتصاد

وول ستريت.. من شارع ضيق إلى منظومة حكم مالي عالمي

لم تعد وول ستريت مجرد مركز مالي في نيويورك، بل أصبحت نظامًا عالميًا معقدًا لإدارة رأس المال، مؤثرةً في الاقتصادات والسياسات النقدية حول العالم. تراقب المؤسسات المالية والاقتصادية عن كثب دور هذه المؤسسات في تشكيل الأسواق وتأثيرها على الاستقرار المالي العالمي، خاصةً مع تزايد تعقيد الأدوات المالية والشبكات التي تربطها.

وتشير التقارير إلى أن نفوذ وول ستريت يتجاوز حجم التداول اليومي، ليصل إلى القدرة على التأثير في اللوائح السياسية والتنظيمية، وحتى التوسط في حل الأزمات الاقتصادية الكبرى. هذا النفوذ يتركز في عدد محدود من المؤسسات والأفراد، الذين يشار إليهم بـ “عمالقة وول ستريت”، والذين يمتلكون القدرة على تشكيل مسار الاقتصاد العالمي.

من هم عمالقة وول ستريت؟

لا يقتصر تعريف “العملاق” على حجم الأصول فحسب، بل يمتد ليشمل “الأهمية النظامية”، أي الدور الذي تلعبه المؤسسة في الحفاظ على استقرار النظام المالي ككل. وفقًا للدراسات، القوة المالية الحقيقية تنبع من موقع المؤسسة داخل الشبكة المالية، وقدرتها على الوصول إلى السيولة، والتأثير في أسواق الدين السيادي.

بينك جيه بي مورغان تشيس، الذي تجاوزت أصوله 3.9 تريليونات دولار، وهو رقم يعادل الناتج المحلي الإجمالي للعديد من الدول. لكن قوة وول ستريت لا تكمن في الحجم فقط، فمؤسسات مثل غولدمان ساكس ومورغان ستانلي أثبتت قدرتها على الابتكار المالي والتأثير في الأسواق، على الرغم من أصولها الأصغر نسبيًا.

جيه بي مورغان: تاريخ من النفوذ

يعتبر جيه بي مورغان من أقدم وأقوى مؤسسات وول ستريت، حيث لعب جون بيربونت مورغان دورًا حاسمًا في تشكيل الرأسمالية الأمريكية الحديثة. وقد تصرف كـ “بنك مركزي غير رسمي” للولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر، حيث قاد عمليات إنقاذ مصرفية وأدار تدفقات السيولة في أوقات الأزمات، وذلك قبل إنشاء نظام الاحتياطي الفيدرالي.

وقد ساهم مورغان في تمويل عمليات دمج ضخمة في قطاع السكك الحديدية، وتأسيس شركة جنرال إلكتريك، وشركة يو إس ستيل، التي كانت أول شركة تتجاوز قيمتها السوقية مليار دولار. بلغ نفوذه ذروته خلال ذعر عام 1907، حيث قاد جهودًا لإنقاذ النظام المصرفي الأمريكي.

غولدمان ساكس: الابتكار المالي والمخاطر

تُعرف غولدمان ساكس بريادتها في مجال الابتكار المالي، خاصةً في تطوير أدوات التداول المشتقة. لكن هذا الابتكار جاء مصحوبًا بمخاطر كبيرة، حيث لعب البنك دورًا رئيسيًا في تسويق أدوات مرتبطة بالرهن العقاري قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008، وفي الوقت نفسه راهن ضد هذه السوق.

وقد أدى ذلك إلى انتقادات واسعة النطاق، وتسوية بقيمة 5 مليارات دولار مع وزارة العدل الأمريكية في عام 2016. كما أثيرت تساؤلات حول مدى نفوذ غولدمان ساكس في الحكومة الأمريكية، لا سيما بعد شغل عدد كبير من مسؤوليها مناصب رفيعة في الخزانة الأمريكية والبنوك المركزية.

مورغان ستانلي: التكيف مع التغيير

تأسست مورغان ستانلي في أعقاب قانون غلاس-ستيغال الذي فصل بين المصارف التجارية والاستثمارية. وقد نجحت في بناء سمعة قوية من خلال الاستشارات المالية والاكتتابات العامة الأولية. بعد الأزمة المالية، أعادت مورغان ستانلي توجيه نشاطها نحو إدارة الثروات لتقليل اعتمادها على التداول عالي المخاطر.

ومع ذلك، لا يزال مورغان ستانلي لاعبًا رئيسيًا في مجال الخدمات المالية العالمية، وقادرًا على التأثير في الأسواق والاقتصاد.

تحديات الحوكمة والرقابة على وول ستريت

تُظهر تجربة وول ستريت أن الابتكار المالي غير المقيد يمكن أن يؤدي إلى أزمات، وأن الأزمات غالبًا ما تعزز قوة المؤسسات الكبيرة. هناك حاجة إلى قواعد حوكمة ورقابة أكثر فعالية لضمان أن الابتكار المالي يخدم الاستقرار والنمو الاقتصادي، وليس المضاربة فقط.

وذكر صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير أن النمو السريع لسوق الائتمان الخاص يشكل خطرًا متزايدًا على الاستقرار المالي العالمي. ويشير هذا إلى أن المخاطر تتجه نحو “الظل المصرفي”، وهو قطاع أقل تنظيمًا، مما قد يعيد إنتاج الهشاشة بأشكال جديدة.

في الفترة القادمة، من المتوقع أن تستمر المناقشات حول كيفية تنظيم وول ستريت بشكل أفضل. من المنتظر أن يصدر نظام الاحتياطي الفيدرالي تقريرًا مفصلاً عن المخاطر النظامية في القطاع المالي بحلول نهاية عام 2025. وتشمل القضايا الرئيسية التي يجب مراقبتها مدى قدرة الجهات التنظيمية على مواكبة الابتكار المالي، وضمان المساءلة، ومنع انبعاث الفقاعات المالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى