Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اخر الاخبار

أردوغان أعلنه “تهديدا وجوديا”.. هل تنجو تركيا من الأفول الديمغرافي لأوروبا؟

تواجه تركيا تحولا ديمغرافيا حادا دفع الرئيس رجب طيب أردوغان لوصفه بـ”التهديد الوجودي”، معلنا، اليوم السبت، أن السنوات العشر المقبلة (2026-2035) ستكون “عقد الأسرة والسكان”.

ويأتي هذا التحرك في وقت تُظهر فيه الأرقام تراجعا واضحا في معدلات المواليد، مما يضع القوة العددية لتركيا في مواجهة مباشرة مع خطر الشيخوخة.

الجيوسياسة والديمغرافيا

تتجاوز النظرة الرسمية في تركيا للتراجع السكاني حدود الأزمة الاقتصادية، لتضعه في خانة الأمن القومي، إذ يرى أردوغان أن مسألة السكان تمثل “تهديدا وجوديا”، وأن القاعدة البشرية هي الأساس الحقيقي لقوة الدولة ومستقبلها.

ورغم أن تركيا لا تزال فتية أكثر بعشر سنوات من الاتحاد الأوروبي (متوسط الأعمار 34.9 عاما مقابل 45 في أوروبا)، إلا أن أنقرة تخشى تكرار النموذج الأوروبي، حيث أدت معدلات الخصوبة المنخفضة خصوصا في ألمانيا وإيطاليا إلى نقص حاد في الأيدي العاملة وضغوط على صناديق التقاعد.

أردوغان يكرر دعوته للحفاظ على العائلات الكبيرة والممتدة (الأناضول)

أرقام الانحدار.. أسرع تراجع أوروبي

وكشفت البيانات الرسمية التركية عن هبوط معدل الخصوبة من 2.38 طفل لكل امرأة عام 2001 إلى 1.48 عام 2024.

ووفقا لتحليل لبيانات معهد الإحصاء التركي، نشره “يورو نيوز”، سجلت تركيا بين عامي 2013 و2023 أكبر هبوط في معدل الخصوبة بين 34 دولة أوروبية، إذ تراجع المعدل بنحو 28.4%.

وحذرت وزيرة الأسرة ماهينور أوزدمير غوكتاش من أن استمرار هذا الانحدار قد يهبط بعدد السكان -البالغ حاليا نحو 86 مليونا- إلى مستويات حرجة بحلول عام 2100، إذ تتوقع الأمم المتحدة انكماشا لافتا يصل بالعدد إلى 25 مليون نسمة، بينما تضع تقديرات معهد الإحصاء التركي الرقم عند 54 مليونا في سيناريو آخر أقل تشاؤما.

ولعل المؤشر الأكثر دلالة على تسارع هذا التحول هو ما كشفه أردوغان من تجاوز عدد كبار السن في المناطق الريفية لعدد الأطفال، وارتفاع نسبة المسنين في عموم البلاد إلى 11.1%، في سابقة تعكس تسارع زحف الشيخوخة.

ورغم هذه التصريحات والأرقام المقلقة للداخل، لا تزال تركيا تحتفظ بنافذة ديمغرافية أخيرة، إذ يشكل الأطفال نحو ربع السكان (24.8%)، كما أن معدل إنجاب المرأة التركية لا يزال أعلى من المتوسط الأوروبي (1.38 طفل).

Middle Eastern mother working and spending time with baby at home
معدل إنجاب المرأة التركية لا يزال أعلى من المتوسط الأوروبي (1.38 طفل) (غيتي)

صراع حضاري وتفاوت جغرافي

يتجاوز التراجع السكاني الأسباب الاقتصادية إلى تحولات هيكلية، وقد أوضحت وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية في تصريح سابق للجزيرة نت أن “تراجع عدد الشباب وتزايد أعباء رعاية المسنين يفرضان ضغوطا كبيرة على قطاعات التعليم والعمل”، محذرة من “خلل في التوازن السكاني وتباطؤ اقتصادي يصعب تصحيحه لاحقا”.

وترى الوزارة أن التحديات تشمل “ضعف الروابط الأسرية وانتشار النزعة الفردية الاستهلاكية”، إضافة إلى تأثير ما وصفته بـ”الخطابات العالمية العابرة للقيم والهوية” على استقرار الأسرة التركية.

وهو ما يعكس -في نظر مراقبين- أن الصراع الديمغرافي لم يعد فقط بين “تركيا الفتية” و”أوروبا العجوز”، بل يمتد إلى الداخل التركي نفسه، بين جيل حضري متعلم يقترب في نمط حياته من النموذج الغربي الفرداني، وسلطة سياسية تسعى إلى كبح هذا المسار باسم حماية الأسرة والدفاع عن وجود تركيا وقوتها.

ويتعمق هذا الصراع الداخلي عبر عاملين إضافيين:

التفاوت الجغرافي: تُظهر بيانات الإحصاء أن “تركيا الشابة” ليست موزعة بالتساوي، فبينما تسجل ولايات الجنوب الشرقي معدلات خصوبة مرتفعة، تعيش المدن الغربية الصناعية واقعا ديمغرافيا أقرب إلى أوروبا.

فجوة التعليم والزواج: تفوقت الشابات التركيات في التحصيل الجامعي (52% للشابات مقابل 40% للشباب)، مما يقلص شريحة الرجال الذين يلبون تطلعات النساء المتعلمات في سوق الزواج. ونتيجة لذلك وعوامل أخرى، ارتفع سن الزواج (28.3 للرجال، 25.8 للنساء) وقفزت نسبة الطلاق إلى 35%.

وثيقة رؤية عقد الأسرة

لمواجهة هذا العزوف، أطلق أردوغان “وثيقة رؤية عقد الأسرة والسكان” المبنية على 5 أولويات إستراتيجية، أبرزها حماية مؤسسة الأسرة، وتشجيع الزواج، وتحقيق التوزيع المتوازن للسكان.

وكانت الحكومة قد بدأت فعليا برفع قيمة قرض الزواج عام 2026 إلى 250 ألف ليرة بدون فوائد، مع حُزم دعم مالي للأطفال تصل إلى 5 آلاف ليرة للمولود الأول.

الاتجاه التنازلي للسكان يشكل تحديا كبيرا لإستراتيجية أردوغان طويلة المدى للنمو الاقتصادي (أسوشيتد برس)

ويرى الباحث الاجتماعي مصطفى صولماز في حديث للجزيرة نت أن التراجع في معدلات الخصوبة نتيجة “تشابك عوامل بنيوية واقتصادية وثقافية”، مؤكدا أن “الحوافز المالية وحدها غير كافية”.

ويقول صولماز إن الحل يتطلب “إستراتيجية وطنية شاملة تخلق بيئة أسرية آمنة، وتحقق توازنا بين العمل والأسرة، وتعيد الثقة بمستقبل اقتصادي مستقر”.

الخلاصة

تدرك أنقرة أن استدامة مشروعها القومي لا تُصنع في مصانع السلاح فحسب، بل في تعزيز البنية الأسرية، وأمام عقد الأسرة والسكان، تبدو تركيا في سباق محموم: إما استعادة الميزة الديمغرافية، أو الاستسلام لـ”الشيخوخة” التي تسيطر على جيرانها في القارة العجوز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى