الدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي: من وحدة الشعور إلى وحدة الفعل

ما هي الدبلوماسية المدنية؟ ولماذا نحتاج إليها اليوم؟
اعداد ادريس احميد: قسم البحوث والدراسات
الدبلوماسية المدنية، أو ما يُشار إليه أحيانًا بالدبلوماسية الشعبية، هي مسار للتواصل والتعاون بين الشعوب والمجتمعات، تشارك فيه مؤسسات المجتمع المدني والجامعات ومراكز البحث والشباب والمتطوعون والمهنيون والمؤسسات الثقافية والإنسانية والرياضية والاقتصادية وغيرها، بهدف بناء جسور التواصل، وتعزيز التفاهم والثقة، وتبادل المعرفة والخبرات، وإقامة شراكات ومشروعات مشتركة تخدم الإنسان والمجتمع والتنمية والسلام.
وهي ليست بديلًا عن الدبلوماسية الرسمية، ولا تعمل في مواجهتها، وإنما تمثل مسارًا شعبيًا ومدنيًا مكمّلًا للمسار الرسمي. فإذا كانت الدبلوماسية الرسمية تتحرك في إطار العلاقات بين الدول والحكومات، فإن الدبلوماسية المدنية تفتح مساحات أوسع للتواصل المباشر بين الناس والمؤسسات والمجتمعات.
ومن هنا، فإن الدبلوماسية المدنية ليست مجرد لقاءات أو مؤتمرات، وليست فقط وسيلة لتحسين صورة مجتمع أمام العالم، بل يمكن أن تكون أداة لبناء الثقة، وتقريب المسافات بين الشعوب، وتحويل المشتركات الإنسانية والثقافية إلى تعاون عملي ومصالح ومشروعات ومعرفة متبادلة.
وتستمد هذه الدبلوماسية قوتها من المجتمع نفسه؛ من الإنسان، ومن قدرته على التواصل والعمل والمبادرة والعطاء. ولهذا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمل التطوعي، والتعليم، والثقافة، والبحث العلمي، والشباب، والإعلام، والرياضة، والاقتصاد، والبيئة، والعمل الإنساني.
لكن الأداة، مهما كانت أهميتها، ليست هي الغاية.
فالغاية الحقيقية هي أن ننتقل من التعارف إلى الحوار، ومن الحوار إلى الثقة، ومن الثقة إلى الشراكة، ومن الشراكة إلى مشروعات مشتركة، ومن المشروعات إلى معرفة قابلة للنقل والتطوير.
وفي العالم العربي، تكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة.
فبين الشعوب العربية روابط واسعة في اللغة والتاريخ والثقافة والقيم والعلاقات الاجتماعية والتجارب الإنسانية. لكن هذه المشتركات لا ينبغي أن تبقى مجرد شعور أو ذاكرة أو خطاب؛ بل يمكن تحويلها إلى مساحات عملية للتعاون في التعليم، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والاستثمار، والصحة، والبيئة، والثقافة، والسياحة، والرياضة، والعمل الإنساني والتطوعي.
وهنا يبدأ السؤال:
هل نستطيع أن نحول وحدة الشعور إلى وحدة فعل؟
لقد جاءت هذه الفكرة من تجربة مؤتمر احتضنته تونس حول الدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي العربي. كان اللقاء ذا طابع علمي وبحثي وتطبيقي، وطرح دراسات وأفكارًا وتجارب واقعية، وفتح مساحة للتفكير في قضايا المجتمع المدني والعمل التطوعي والدبلوماسية المدنية، وفي الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه المجالات في بناء الإنسان والمجتمع وتعزيز العلاقات بين الشعوب.
والحديث عن هذه التجربة ليس من زاوية النقد أو التقليل من قيمتها، وإنما هو محاولة لإثراء الفعل واستكمال الرؤية وتعزيز خطوة مهمة وواثقة والبناء عليها.
فقد حملت التجربة أفكارًا ورؤى وتجارب إنسانية ومجهودات طيبة من مؤسسات وأفراد آمنوا بأهمية العمل التطوعي والدبلوماسية المدنية.
لكن كل مؤتمر، مهما كانت أهميته، يظل محطة.
والسؤال الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المحطة:
ماذا سنفعل بما سمعناه وناقشناه وتعلمناه؟
فالمؤتمر ينتهي، لكن المشروع يبدأ.
وحين نتحدث عن مستقبل العمل العربي المشترك، لا يمكن أن نتجاهل الواقع بما يحمله من خلافات وتباينات وأزمات، ومن صعوبة في الوصول في بعض القضايا إلى رؤى عربية مشتركة ومستدامة.
وقد شهد العمل العربي الرسمي، عبر عقود، قممًا واجتماعات ولقاءات وقرارات وبرامج ومؤسسات متعددة. لكن أحد التحديات المتكررة يظل في المسافة بين القرار والتنفيذ، وبين ما يُقال في الاجتماعات وما يتحول إلى أثر ملموس في حياة الناس.
وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: لماذا لم يحل العمل الرسمي كل مشكلاتنا؟
بل هناك سؤال آخر:
ماذا تستطيع الشعوب العربية ومؤسساتها المدنية وشبابها وجامعاتها ومتطوعوها وباحثوها أن يفعلوا إلى جانب المسار الرسمي؟
هذا السؤال لا ينتقص من دور الدولة، ولا من أهمية الدبلوماسية الرسمية، وإنما يفتح مجالًا آخر للعمل.
فالدولة مهمة، والمؤسسات الرسمية مهمة، والدبلوماسية الرسمية ضرورة، لكن العلاقات بين الشعوب يمكن أن تمتلك أيضًا مساراتها الخاصة التي تواصل بناء المعرفة والثقة والتعاون، حتى عندما تكون بعض العلاقات السياسية أكثر تعقيدًا.
وعندما نتحدث عن سياسات دولنا، يبرز سؤال مشروع:
هل تتطابق هذه السياسات دائمًا مع آمال الشعوب وتطلعاتها؟
لا يمكن افتراض موقف واحد لجميع الشعوب العربية أو لجميع القضايا، فالمجتمعات متعددة، واحتياجاتها وتصوراتها تختلف. لكن للشعوب آمالًا وتطلعات ومصالح إنسانية واجتماعية وتنموية تتجاوز كثيرًا حدود الخلافات السياسية.
الشباب يريدون أن يلتقوا.
والطلاب يريدون أن يتبادلوا المعرفة والخبرات.
والرياضيون يريدون أن يتنافسوا ويتواصلوا.
والمتطوعون يريدون أن يعملوا معًا.
والباحثون يريدون أن يتعاونوا.
ورواد الأعمال يريدون فرصًا للشراكة والاستثمار.
والسائح يريد أن يكتشف بلدًا عربيًا آخر، وأن يتعرف إلى الإنسان والثقافة والتاريخ قبل أن يرى المكان.
هذه التطلعات ينبغي أن يكون لها مكان في صياغة مستقبل العمل العربي المشترك.
وليس المطلوب أن نضع الشعوب في مواجهة الحكومات، ولا أن نفترض أن الدولة والمجتمع يقفان دائمًا في اتجاهين متعارضين.
المطلوب أن نسمع صوت المجتمع، وأن نوسع مساحات مشاركته، وأن نبحث عن المساحات الإنسانية والتنموية المشتركة التي يمكن أن تجمع الناس حتى عندما تختلف المواقف السياسية.
فربما نجد في هذه التطلعات المشتركة أرضية أوسع للتعاون.
ومن هنا تأتي أهمية الدبلوماسية المدنية.
إذا تعقدت بعض مسارات التعاون الرسمي، فلماذا لا نوسع مساحات التعاون الشعبي والمدني؟
هل يجب أن تتوقف علاقة جامعة بجامعة؟
هل يجب أن يتوقف التواصل بين الشباب؟
هل تتوقف المبادرات البيئية؟
هل يتوقف العمل الإنساني؟
هل يتوقف تبادل الخبرات؟
هل تتوقف اللقاءات الرياضية والثقافية؟
الشعوب أيضًا تملك أجندتها.
وأجندتها في كثير من الأحيان واضحة: التعليم، والعمل، والمعرفة، والصحة، والتنمية، والثقافة، والسياحة، والبيئة، والتكنولوجيا، وريادة الأعمال، والعمل الإنساني والتطوع.
وربما تكون إحدى أكبر مشكلاتنا أننا نتحدث كثيرًا عن وحدة الشعوب العربية، بينما لم تتح لشعوبنا دائمًا الفرصة الكافية لكي تعرف بعضها بعضًا معرفة حقيقية.
قد يعرف المواطن اسم الدولة الأخرى، لكنه لا يعرف بالضرورة شبابها، أو جامعاتها، أو مبادراتها، أو تجاربها الناجحة، أو مؤسساتها المدنية، أو تحدياتها اليومية.
أن يلتقي شاب عربي بشاب عربي آخر.
أن يجلس باحث مع باحث.
أن تتعاون جامعة مع جامعة.
أن يعمل متطوعون من دول مختلفة في مشروع واحد.
أن يلتقي الرياضيون ويتنافسوا في أجواء تبني التعارف.
أن يتبادل رواد الأعمال التجارب.
أن تفتح السياحة أبواب التعارف الثقافي.
أن تعمل المؤسسات الإنسانية معًا.
فربما كان أول طريق التعاون هو أن يعرف الإنسان أخاه الإنسان.
ولا نبدأ من الصفر.
فهناك اللغة والتاريخ والتراث والقيم والتقارب الثقافي والعلاقات الاجتماعية والتجارب الحضارية وتشابه كثير من التحديات.
لكن المشتركات لا تكفي وحدها.
السؤال هو:
كيف نحول هذه المشتركات من رصيد شعوري وثقافي إلى رصيد عملي؟
كيف تتحول اللغة إلى برامج تعليمية مشتركة؟
والتراث إلى مشروعات ثقافية وسياحية؟
والقرب الاجتماعي إلى برامج للشباب؟
والقيم الإنسانية إلى مبادرات تطوعية؟
وتشابه التحديات إلى شراكات في البحث والتكنولوجيا؟
والتقارب الاقتصادي إلى استثمارات ومشروعات مشتركة؟
هنا يمكن أن تنتقل الفكرة من وحدة الشعور إلى وحدة الفعل.
والدبلوماسية المدنية لا تقوم على أداة واحدة، وإنما على منظومة واسعة من الأدوات: العمل التطوعي والإنساني، والجامعات والتعليم، والبحث العلمي، والثقافة والفنون، والرياضة، والسياحة، والتكنولوجيا، وريادة الأعمال والاستثمار الاجتماعي، والإعلام، والمؤتمرات والمنتديات، وشبكات الشباب والمؤسسات المدنية.
لكن هذه الأدوات لا ينبغي أن تتحول إلى نشاطات منفصلة.
العمل التطوعي يمكن أن يلتقي بالتعليم.
والجامعة يمكن أن تلتقي بالمؤسسة الإنسانية.
والكشافة يمكن أن تلتقي بالشباب.
والرياضة يمكن أن تلتقي بالثقافة.
والتكنولوجيا يمكن أن تخدم التطوع.
والإعلام يمكن أن يوثق التجارب وينقلها.
والاقتصاد يمكن أن يحول بعض الشراكات إلى مشروعات مستدامة.
وهنا ننتقل من فكرة المؤسسة المنفردة إلى المنظومة المتعاونة.
فنحن لسنا أمام غياب المؤسسات.
لدينا جامعات، ومؤسسات مجتمع مدني، ومؤسسات إنسانية، وحركة كشفية، وشبكات شبابية، ومراكز بحث، ومبادرات أهلية، وخبرات متراكمة في العمل الإنساني والتطوعي.
السؤال الأهم هو:
كيف نربط ما هو موجود؟
كيف تنتقل المعرفة من مؤسسة إلى أخرى؟
كيف تتحول التجربة المحلية الناجحة إلى تجربة عربية قابلة للتكييف؟
كيف نتخلص من فكرة الجزر المنفصلة؟
المؤسسة تنفذ، والمنظومة تربط وتتعلم وتنقل وتقيس وتطور.
لدينا تجارب عربية كثيرة في ريادة الأعمال، والعمل الإنساني، والتعليم، والشباب، والبيئة، والتنمية، وبناء المؤسسات.
لكن المعرفة التي تنتجها هذه التجارب كثيرًا ما تبقى محلية.
لماذا لا ننشئ مرصدًا أو بنكًا عربيًا للمعرفة المجتمعية؟
توثق فيه التجارب: المشكلة، والفكرة، وطريقة التنفيذ، والشركاء، والموارد، ودور المتطوعين، والنتائج، والتحديات، وأسباب النجاح أو التعثر، وما يمكن نقله إلى مجتمع آخر.
بهذه الطريقة نبني ذاكرة مدنية عربية، ولا نعيد اختراع العجلة في كل مرة.
وهنا يأتي الشباب.
إذا أردنا للدبلوماسية المدنية أن تكون مشروعًا للمستقبل، فلا يمكن أن يكون الشباب مجرد جمهور للمؤتمرات.
الشباب يجب أن يكونوا في قلب المشروع.
هم من يقترحون، ويصممون، وينفذون، ويقيسون الأثر، ويوثقون، ويحملون التجربة إلى غيرهم.
ولهذا يمكن التفكير في شبكة عربية للشباب في الدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي، لا تكون مجرد شبكة تواصل، وإنما مساحة للتعلم والمبادرة وتنفيذ المشروعات المشتركة.
فالشباب ليسوا مستقبل المشروع فقط؛ إنهم جزء من حاضره.
والعمل التطوعي بدوره لا ينبغي أن يكون نشاطًا موسميًا يظهر عند الكوارث أو المناسبات ثم يختفي.
نحتاج إلى أن يصبح التطوع جزءًا من الثقافة المجتمعية.
أن يتعلم الطفل معنى الخدمة.
أن يجد الطالب فرصة للمشاركة.
أن يكتسب الشاب مهارات من خلال التطوع.
أن تتعامل الجامعة مع العمل التطوعي باعتباره مساحة للتعلم.
وأن تتعلم المؤسسات كيف تدير المتطوعين وتدربهم وتحميهم وتقيس أثرهم.
والهدف ليس فقط أن نزيد عدد المتطوعين.
السؤال الأهم:
أي إنسان نبني من خلال التطوع؟ وأي مجتمع نصنع؟
فالتطوع يعلم المسؤولية والعمل الجماعي والحوار والانضباط وحل المشكلات واحترام الآخر والشعور بالمصلحة العامة.
ومن هنا يصبح العمل التطوعي مدرسة للمواطنة، ومدخلًا إلى الدبلوماسية المدنية.
وربما نحتاج أيضًا إلى تغيير نظرتنا إلى العمل الإنساني:
من الرعاية إلى التمكين.
ومن المساعدة إلى بناء القدرة.
ومن المستفيد إلى الشريك.
فالعمل الإنساني لا يكتفي بمعالجة آثار المشكلة، بل يسعى إلى بناء قدرة المجتمع على مواجهتها.
والاستجابة للأزمة مهمة، لكن الاستعداد لها أهم، والوقاية منها أكثر أهمية، وبناء قدرة المجتمع على الصمود هو الهدف الأبعد.
وإذا أردنا أن تكون الدبلوماسية المدنية مشروعًا حقيقيًا، فلا ينبغي أن تبقى في إطار اللقاءات الإنسانية والثقافية فقط.
هناك سؤال أكبر:
كيف يمكن أن تصبح الدبلوماسية المدنية طريقًا للتعاون العربي في الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والاستثمار والبحث العلمي؟
كيف نصوغ برامج تعليمية مشتركة؟
كيف نبني منصات عربية للمعرفة والتكنولوجيا؟
كيف نربط الباحثين العرب؟
كيف نخلق فرصًا للشباب ورواد الأعمال؟
كيف نطور مشروعات للاستثمار الاجتماعي؟
كيف نتعاون في البيئة والمياه والطاقة والصحة؟
لا يعني ذلك أننا نستطيع بناء منظومات مكتملة دفعة واحدة.
بل يمكن أن نبدأ بمشروعات صغيرة وتجريبية.
مشروع اقتصادي.
منصة عربية للمعرفة والتكنولوجيا.
برنامج جامعي مشترك.
شبكة للباحثين.
برنامج لتبادل الشباب والمتطوعين.
مشروع بيئي عابر للحدود.
شراكة للاستثمار الاجتماعي.
ثم نقيس النتائج.
ما نجح نوسعه.
وما تعثر نعيد تصميمه.
وهكذا تتحول المنافسة إلى تنافس ينتج المعرفة والابتكار وفرص العمل والحلول.
وفي هذا السياق يمكن النظر إلى التجربة الأوروبية باعتبارها تجربة تاريخية في بناء المصالح المشتركة بصورة تدريجية، لا باعتبارها نموذجًا جاهزًا للنسخ.
فالدرس الأهم ليس شكل المؤسسات الأوروبية، وإنما فكرة تحويل المصالح المشتركة إلى مشروعات وقواعد ومؤسسات وتعاون متدرج.
والسؤال العربي ليس: كيف نبني مشروعًا ضخمًا غدًا؟
بل:
ما أول مشروع نستطيع أن نبنيه اليوم؟
ولماذا نحصر الدبلوماسية المدنية في العمل السياسي أو الإنساني فقط؟
الرياضة يمكن أن تكون جسرًا بين الشعوب.
والثقافة يمكن أن تكون جسرًا.
والسياحة يمكن أن تكون جسرًا.
والجامعات يمكن أن تكون جسرًا.
والتكنولوجيا يمكن أن تكون جسرًا.
والإعلام يمكن أن يكون جسرًا.
وريادة الأعمال يمكن أن تخلق مصالح مشتركة.
والتطوع يمكن أن يصنع الثقة.
لكن الإعلام هنا يحتاج إلى دور يتجاوز نقل الأخبار.
نحتاج إلى إعلام تنموي وإنساني ومعرفي؛ إعلام لا يكتفي بعرض الأزمة، وإنما يبحث عن الحلول، ولا يكتفي بإبراز الخلاف، وإنما يعرّف أيضًا بمساحات التعاون، ويوثق التجارب وينقل المعرفة.
ومع وسائل التواصل الاجتماعي، يستطيع المواطن نفسه أن يصبح منتجًا للمعرفة، ومتطوعًا، وموثقًا، وصانع مبادرة.
وهكذا ننتقل من إعلام يستهلك الحدث إلى إعلام يصنع المعرفة المدنية ويحفظ الذاكرة المجتمعية.
وربما حان الوقت للتفكير في ميثاق عربي للدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي؛ ميثاق لا يكون وثيقة احتفالية، وإنما إطارًا عمليًا للتعاون.
يمكن أن يتضمن حقوق المتطوعين وواجباتهم، والتدريب وبناء القدرات، وتبادل الخبرات والمتطوعين والخبراء، والشراكات بين الجامعات والمؤسسات المدنية، والتعاون في المشروعات الإنسانية والتنموية والبيئية، وتمكين الشباب، والتعاون في التكنولوجيا والبحث والابتكار، وتوثيق التجارب ونقل المعرفة، والشفافية والحوكمة، وقياس الأثر.
كما يمكن أن يضع أطرًا لتسهيل التعاون بين المؤسسات المدنية العربية، مع احترام القوانين الوطنية والأنظمة القائمة في كل دولة.
وهنا تصبح المعادلة:
الرؤية → الحوار → الميثاق → المشروع → القياس → التطوير.
ولا نحتاج إلى انتظار الظروف المثالية.
يمكن أن نبدأ بخطوات بسيطة وواضحة: مرصد عربي للدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي، وشبكة تربط الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والشباب والكشافة والمؤسسات الإنسانية والقطاع الخاص، ومشروعات تجريبية بين دولتين أو ثلاث، وآليات لقياس الأثر وتوثيق التجارب ونقلها.
وهكذا تتحول:
المبادرة إلى تجربة، والتجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى منظومة.
وربما نحتاج إلى إضافة مفهوم جديد إلى العمل العربي المشترك:
العمل العربي المشترك من أسفل إلى أعلى.
أي أن تبدأ بعض المبادرات من المجتمع، ثم تنمو، ثم تتصل بالمؤسسات، ثم تتحول التجارب الناجحة إلى أطر تعاون أوسع.
جامعة تتعاون مع جامعة.
مدينة مع مدينة.
مؤسسة أهلية مع مؤسسة أهلية.
شباب من دول عربية مختلفة يصممون مشروعًا مشتركًا.
باحثون يعملون على قضية عربية مشتركة.
متطوعون يتبادلون الخبرات.
رياضيون يلتقون ويتنافسون.
رواد أعمال يؤسسون شراكات.
ومع الوقت، تتكون شبكة من الثقة والمعرفة والمصالح المشتركة.
وهنا تتحول الدبلوماسية المدنية من فكرة إلى قوة مجتمعية.
وربما تحتاج الحكومات العربية أيضًا إلى إعادة النظر في مفهوم العمل العربي المشترك، بحيث لا يبقى محصورًا في الاجتماعات الرسمية والملفات السياسية والاقتصادية الكبرى، وإنما يفتح مساحة أوسع للعمل المدني والشعبي.
فإذا كانت الشعوب تتطلع إلى مزيد من التواصل، فإن الحكومات تستطيع أن تساعد في تهيئة الأطر القانونية والمؤسساتية لذلك.
وإذا كان الشباب يريدون اللقاء، فلتُفتح أمامهم المساحات.
وإذا كانت الجامعات تريد التعاون، فلتُيسر الشراكات.
وإذا كان المتطوعون يريدون العمل عبر الحدود، فلنبحث عن الأطر التي تجعل ذلك ممكنًا ومنظمًا.
وإذا كان رواد الأعمال يريدون الاستثمار والتعاون، فلنبحث عن الآليات التي تشجع ذلك.
وإذا كان الناس يريدون اكتشاف بعضهم بعضًا، فلنجعل الثقافة والسياحة والرياضة جسورًا لذلك.
بهذا المعنى، لا تكون الدبلوماسية المدنية مشروعًا ضد الدولة، بل مشروعًا مكمّلًا لها، يوسّع مساحة المشاركة، ويمنح المجتمع دورًا أكبر في بناء علاقاته مع المجتمعات الأخرى.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم:
هل نستطيع بناء منظومة عربية متكاملة للدبلوماسية المدنية والعمل التطوعي؟
السؤال الأهم هو:
ما الذي نستطيع أن نفعله الآن؟
لماذا لا نبدأ بمشروع صغير؟
بجامعة وجامعة.
بشباب من دولتين أو ثلاث.
بشبكة تطوعية.
بمبادرة بيئية.
ببرنامج رياضي وثقافي.
بمنصة عربية للمعرفة.
بشراكة بحثية.
بمشروع تقني.
ببرنامج لتبادل الخبرات.
ثم نقيس.
ونتعلم.
ونطور.
ونوسع.
فالتجارب الكبرى لا تبدأ كبيرة.
تبدأ بفكرة، ثم بإرادة، ثم بمحاولة.
إننا لا نحتاج إلى أن نتفق على كل شيء حتى نعمل معًا.
يمكن أن نختلف في السياسة، لكن نتعاون في التعليم.
يمكن أن تتباين المواقف الرسمية، لكن يتعاون الشباب.
يمكن أن تختلف الرؤى في بعض الملفات، لكن تتشارك الجامعات.
يمكن أن تتعقد بعض العلاقات، لكن تستمر الروابط الإنسانية.
وهذه ليست دعوة إلى تجاهل الخلافات، وإنما إلى ألا نسمح للخلافات بأن تغلق كل الأبواب الأخرى.
فالعالم العربي يحتاج إلى مساحات جديدة للقاء.
يحتاج إلى معرفة متبادلة بين شعوبه.
يحتاج إلى شباب يتعاونون بدل أن يبقوا أسرى الصور النمطية.
يحتاج إلى مؤسسات مدنية تتبادل الخبرة.
يحتاج إلى اقتصاد معرفة عربي.
يحتاج إلى تعاون في التكنولوجيا والتعليم والبحث والاستثمار.
ويحتاج إلى عمل إنساني وتطوعي يتجاوز الحدود.
وإذا كانت لدينا كل هذه المشتركات، فلماذا لا نجعل منها نقطة انطلاق؟
لقد حمل مؤتمر تونس أفكارًا وتجارب وأسئلة مهمة.
والقيمة الحقيقية لأي مؤتمر لا تقاس فقط بعدد الأوراق أو الجلسات، وإنما بما يولده بعد انتهائه.
المؤتمر ينتهي، لكن المشروع يبدأ.
والمشروع الذي نقترحه ليس بديلًا عن الدولة، ولا عن الدبلوماسية الرسمية، وإنما هو مسار شعبي مدني مكمّل؛ مسار يجعل الإنسان في مركز الاهتمام، ويجعل الشعوب شريكًا في بناء علاقاتها، ويحول المشتركات من مشاعر إلى مصالح، ومن مصالح إلى مشروعات، ومن مشروعات إلى معرفة، ومن المعرفة إلى مستقبل.
ربما نحتاج اليوم إلى أن نعيد تعريف العمل العربي المشترك من جديد.
لا بوصفه مجرد قرارات تصدر في القمم والاجتماعات، وإنما بوصفه أيضًا علاقات تُبنى بين الناس، ومعرفة تنتقل بين المجتمعات، وشباب يلتقون، ومتطوعين يعملون، وجامعات تتعاون، وثقافات تتقارب، واقتصادات تتكامل، وتجارب تنتقل من بلد عربي إلى آخر.
رؤية عربية يكون الإنسان نقطة بدايتها، والشعوب غايتها، والتعاون وسيلتها، والمستقبل المشترك أفقها.
من وحدة الشعور إلى وحدة الفعل.
من المبادرة إلى المنظومة.
من المعرفة إلى التطبيق.
من التطوع إلى ثقافة مجتمعية.
ومن اللقاء إلى بناء الجسور بين الشعوب.
فلنجرب.
فلنبدأ.





