بين “الغاوي” و”الكبير”.. هل فشل أحمد مكي في كسر قيده الكوميدي؟

رغم ابتعاده شبه الدائم عن صخب الوسط الفني، وندرة ظهوره الإعلامي، وغيابه الطويل عن منصات التواصل الاجتماعي، لا يبدو أحمد مكي فنانا يمكن أن يختفي بسهولة من الذاكرة الجماهيرية.
فالرجل الذي صنع على مدار سنوات عالما كوميديا خاصا به، لا يزال حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية، عبر قفشات (إفيهات) تحولت إلى مفردات شعبية تتداولها الأجيال، من مسلسل “الكبير أوي” إلى مشاهده الشهيرة في السينما، وأبرزها عبارته الشهيرة في فيلم “مرجان أحمد مرجان” مع عادل إمام، وهي عبارة “كبر الجي وروق الدي”.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
تكمن خصوصية مكي في أن حضوره لم يكن قائما يوما على الظهور الإعلامي المكثف أو صناعة الجدل، بقدر ما ارتبط بقدرته على صنع شخصيات تعيش طويلا بعد انتهاء العمل نفسه، وهي معادلة نادرة في الكوميديا العربية، خصوصا في زمن تتبدل فيه الترندات بسرعة، ويصعد نجوم ويختفون في مواسم قليلة.
أحمد مكي بين تعدد المواهب وإرث “الكبير أوي”
هذا الحضور الذي يتجاوز فكرة الظهور التقليدي، جعل اسم أحمد مكي يطل إلى الواجهة بين فترة وأخرى، خصوصا في ظل عدم بروز نجوم كوميديا جدد قادرين على صناعة حالة جماهيرية مشابهة.
فهل انتهى مكي مع المواسم الأخيرة من “الكبير أوي”؟ أم أنه لا يزال قادرا على التجدد؟ وهل أصبح أسير الشخصية التي صنعت مجده، أم أننا أمام حالة فنية يصعب تصنيفها؟
فالنجاح الكبير الذي حققه “الكبير أوي” لم يمنح مكي النجومية فقط، بل صنع له عالما متكاملا بات الجمهور يرتبط به عاطفيا، وهو ما جعل أي محاولة للخروج من هذا القالب تبدو محفوفة بالمقارنة المسبقة. وهي أزمة واجهها كثير من نجوم الكوميديا الذين تحولت شخصياتهم الأشهر إلى عبء فني يصعب تجاوزه لاحقا.
الناقد طارق الشناوي يرى أن أحمد مكي له موهبة متعددة الأبعاد تجمع بين التمثيل والغناء والراب والكتابة والإخراج، ويقدم أعمالا روائية وتسجيلية، مما يجعله حالة فنية متكاملة. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الإشكالية الأساسية، كما يُنظر إليها نقديا، تبدأ بعد “الكبير أوي”.
فالمسلسل، خصوصا في ذروته التي بلغها في الجزء السابع، كان يمكن أن يشكل نقطة نهاية مثالية لهذا المشروع، إلا أنه استمر ووصل إلى الجزء الثامن، وبدأ مستوى الحضور يتراجع تدريجيا. وفي هذه المرحلة، حاول مكي أن يخرج من عباءة الشخصية عبر بعض الأعمال الدرامية، لكنه لم ينجح في تحقيق التأثير نفسه أو الصدى الجماهيري الذي حققه داخل عالم “الكبير أوي”.
ومع ذلك، لا يمكن التشكيك في موهبته، فهو فنان ذو كاريزما وله حضور قوي أمام الكاميرا، إضافة إلى مقومات فنية نادرة، خصوصا أنه يجمع بين التمثيل والكتابة والإخراج والغناء والتلحين، وهي تركيبة قلما تجتمع في فنان واحد، وربما لهذا السبب ظل يُنظر إليه باعتباره مشروعا فنيا متكاملا، لا مجرد ممثل كوميدي ارتبط بشخصية ناجحة.
وعلى سبيل المثال، قد يُذكر اسم محمد رمضان بصفته ممثلا ومغنيا، لكنه لا يكتب ولا يلحن، وهو ما يبرز خصوصية تجربة مكي وتفردها، كما أن تجربة “تامر وشوقية” شكلت بدورها دليلا مبكرا على تنوع قدراته ونجاحه في مساحات مختلفة قبل ترسيخ اسمه في الكوميديا الكبرى.
لكن في المقابل، فإن ابتعاده المتكرر عن المشهد جعله أحيانا خارج “رقعة” المنافسة المباشرة، وهي نقطة حساسة في صناعة الترفيه الحديثة، إذ أصبح الحضور المستمر جزءا أساسيا من الحفاظ على النجومية، خصوصا مع تغير ذائقة الجمهور بوتيرة أسرع من السابق.
ويضيف الشناوي أن “ما يمنح قدرا من الاطمئنان لمسيرته أحمد مكي هو أنهه ذو ذكاء فني، وقدرة على قراءة التحولات مبكرا، وهو ما قد يمكنه من إعادة صياغة عودته سواء إلى الدراما التلفزيونية أو السينما بشكل سريع ومدروس، خصوصا أن خريطة الذائقة الجماهيرية تتغير باستمرار وأحيانا بشكل مفاجئ، مما يجعل فرص العودة أصعب كلما طال الغياب”.
هل كرر أحمد مكي تجربة محمد سعد؟
كثيرا ما وُضع أحمد مكي في مقارنة غير مباشرة مع محمد سعد، ليس فقط لأن كليهما نجح في صناعة شخصية جماهيرية طاغية، بل لأن الاثنين واجها لاحقا السؤال نفسه: هل تتحول الشخصية الناجحة إلى قيد فني يمنع صاحبها من التطور؟
محمد سعد ارتبط طويلا بشخصية “اللمبي”، حتى بات الجمهور يرى ظلالها في معظم أعماله اللاحقة، وهو ما أدى مع الوقت إلى حالة من الاستهلاك والتراجع. أما أحمد مكي، فبدا أكثر وعيا بهذه المعضلة، إذ حاول منذ البداية بناء عالم أوسع داخل “الكبير أوي”، عبر تعدد الشخصيات مثل “جوني” و”حزلقوم”، والاعتماد على السخرية من الواقع الشعبي وثقافة الشباب والإنترنت، بدل الاكتفاء بقفشة واحدة أو قالب ثابت.
وهنا تبدو تجربة مكي مختلفة نسبيا عن كثير من نجوم الكوميديا التقليدية؛ فهو لم يعتمد فقط على خفة الظل، بل على إيجاد “كون كوميدي” كامل له لغته وشخصياته وإيقاعه الخاص، وهو ما منح أعماله قدرة أكبر على البقاء والاستمرار سنوات.
الإعلامي والناقد أحمد عدلي يرى أن أزمة أحمد مكي تشبه إلى حد كبير أزمة أحمد حلمي، إذ تصدر كلاهما شباك التذاكر في فترة ما، قبل أن تدفعهما تحولات صناعة السينما إلى التراجع النسبي والدخول في مرحلة ترقب طويلة، مما جعل فكرة العودة محاطة بالحذر، رغم خوض مكي بعض التجارب الدرامية التي لم تحقق النجاح المتوقع.
ويضيف أن ما يُحسب لمكي هو حرصه على تجنب تكرار تجربة التراجع التي ارتبطت بمحمد سعد، وسعيه الدائم لتقديم أعمال مختلفة في الغناء والدراما، إلا أن عدم انخراطه القوي في الوسط الفني منحه خصوصية مقابل قدر من العزلة، قلصت فرص تنوع تجاربه، خاصة مع طبيعته الانطوائية وابتعاده الإعلامي المستمر.
ويشير عدلي إلى أن نجاح “الكبير أوي” شكل محطة مفصلية في مسيرته، إذ رسخ حضوره باعتباره نجما من الصف الأول رغم بعض التعثرات السينمائية، لكنه يؤكد أن الأجزاء المتأخرة لم تحقق صدى المواسم الأولى، بفعل تغير الأجيال والذائقة ومعايير النجاح.
ويرى أن مكي سيظل في مساحة التجريب بين نجاحات متفاوتة، مما يفرض عليه دقة أكبر في اختيار أعماله للحفاظ على مكانته، مشيرا إلى أن “الكبير أوي” كان تجربة فارقة نقلته إلى جمهور التلفزيون ورسخت نجوميته.
كما يوضح أن غياب مكي الطويل عن السينما، إلى جانب ارتباطه الطويل بـ”الكبير أوي”، يضعان تحديات أمام عودته، مما يجعله بحاجة إلى مشاريع بطولة جماعية تقلل المخاطرة وتستند إلى أفكار جديدة، خصوصا أنه لا يرفض هذا النوع من الأعمال، لكنه يتسم بالتروي الشديد في اختياراته، مما يبطئ حضوره أحيانا في المشهد الفني.
تحولات “الكبير أوي”.. نجاح متجدد أم بداية استنزاف؟
يطرح مسار مسلسل “الكبير أوي” في مواسمه المتأخرة إشكالية تتعلق بقدرة الأعمال الكوميدية طويلة الأمد على تجديد نفسها ومواكبة التحولات السريعة في ذائقة الجمهور، خصوصا في ظل التأثير الكبير للسوشيال ميديا على شكل الكوميديا وإيقاعها وطبيعة شخصياتها.
فالعمل الذي بدأ قبل سنوات على شكل مغامرة كوميدية مختلفة، وجد نفسه لاحقا أمام تحدي البقاء في زمن تغيرت فيه طريقة استهلاك الكوميديا نفسها، وبات الجمهور أكثر سرعة في الملل وأكثر انجذابا للمحتوى القصير والترندات اليومية.
الناقد والإعلامي أشرف شرف يرى أن أحمد مكي حقق في الجزء السادس وما تلاه من مسلسل “الكبير أوي” نجاحا كبيرا، واستطاع بذكاء لافت أن يلتقط روح السوشيال ميديا والترندات، عبر كوميديا مبتكرة وحديثة أعادت الحيوية للعمل.
ويشير إلى أن مكي طور بشكل واضح شخصياته الرئيسية الثلاث: “الكبير” و”جوني” و”حزلقوم”، كما أضاف شخصيات نسائية جديدة مثل “مربوحة”، مما منح العمل دماء جديدة وساهم في تجديده.
ويؤكد شرف أن قدرة مكي على العودة بعد غياب يقارب ست سنوات تُعد إنجازا فنيا مهما، لأن الأعمال المتوقفة لفترات طويلة غالبا ما تفقد زخمها ولا تعود إلى سابق نجاحها، إلا في حالات نادرة، لكنه يعتبر أن ارتباط الجمهور بـ”الكبير أوي” كان قويا جدا، وهو ما ساعد على إعادة استقباله بنجاح كبير عند عودته، رغم التحدي الذي مثله هذا الغياب الطويل.
ويرى أن الجزء السابع تحديدا حقق نجاحا واسعا، ولقي تفاعلا جماهيريا، خصوصا مع إدخال شخصيات جديدة وتحديث الديكور، وتقديم كوميديا أكثر عصرية وقربا من ذائقة الجمهور الحالي.
في المقابل، يشير إلى أن الجزء الثامن والأخير لم يحقق النجاح نفسه، لكنه رغم ذلك لا يقلل من قيمة المسلسل الذي يبقى من الأعمال الكوميدية الأيقونية في الدراما المصرية الحديثة. وربما هنا تكمن معضلة الأعمال الناجحة جدا؛ فكل جزء جديد يصبح مطالبا بتجاوز نجاح الأجزاء السابقة، لا مجرد الحفاظ عليه.
ويرى شرف أن هناك ثلاث ركائز أساسية في التجربة الفنية لأحمد مكي لم ينجح حتى الآن في الخروج منها، رغم محاولاته تقديم شخصيات وأعمال مختلفة، في إشارة إلى شخصية “إتش دبور”، التي شكلت بداية انطلاقته الكبيرة، إضافة إلى نجاحه في فيلم “طير أنت”، إلى جانب شخصيات “الكبير أوي” المتعددة مثل الكبير وجوني وحزلقوم.
ويضيف أن مكي حين حاول الخروج من عباءة هذه الشخصيات وتقديم دراما شعبية مختلفة عبر مسلسل “الغاوي”، لم يحقق النجاح المنتظر، في ظل وجود مشاكل واضحة في النص والإخراج، مما أثر على التجربة كلها.
ويختم شرف بالتأكيد على أن أحمد مكي يظل فنانا مهما على مستوى الكوميديا، له رصيد جماهيري كبير، ومن الأسماء البارزة في جيله، مؤكدا أنه سيظل حاضرا في ذاكرة الجمهور ضمن كبار الكوميديين في مصر، مهما تنوعت تجاربه بين النجاح والتعثر.
في المحصلة، يظل “الكبير أوي” العمل الذي رسخ حضور أحمد مكي بصفته أحد أبرز الأسماء الكوميدية في جيله، ونجح في التحول إلى علامة جماهيرية تجاوزت حدود الشاشة إلى الذاكرة الشعبية، لكن هذا النجاح نفسه فتح بابا مستمرا للنقاش: هل حافظ العمل على زخمه، أم بدأ يتحول تدريجيا إلى عبء يقيد صاحبه داخل عالم صنع مجده؟





