لماذا حققت الحركات المسلحة تقدما ضد حكومة مالي؟

Published On 1/5/2026
لم يعد معروفا ما الذي ستصل إليه الأمور في مالي التي تعيش منذ أيام على وقع مواجهات عنيفة بين الحكومة وجماعات مسلحة مناوئة لها، حيث يدور الحديث عن دعم إقليمي وغربي لإسقاط أسيمي غويتا، الذي وصل إلى الحكم بانقلاب عسكري عام 2020، وبدأ تحالفا مع روسيا.
فبعد يوم واحد من إعلان جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” الموالية لتنظيم القاعدة فرض حصار على العاصمة المالية باماكو وإغلاق الطرق المؤدية إليها، قالت “جبهة تحرير أزواد” المتحالفة معها إن القوات الحكومية انسحبت من قاعدة رئيسية شمالي البلاد قرب الحدود مع الجزائر.
اقرأ أيضا
list of 3 itemsend of list
وتأتي هذه التطورات المتلاحقة بعد أيام من هجمات واسعة شنتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتحالف مع جبهة تحرير أزواد التي تضم مقاتلين من الطوارق والعرب المطالبين بالانفصال في شمال البلاد.
وأدت هذه الهجمات إلى سيطرة الجماعتين على عدة مناطق منها مدينة كيدال الإستراتيجية، التي كانت تتمركز بها قوات روسية في إطار دعم موسكو للمجلس العسكري الذي يحكم البلاد منذ 6 سنوات.
ليس مفاجئا
ولم يكن هذا التطور مفاجئا برأي الباحث في شؤون منطقة الساحل أحمد ولد محمد المصطفى، الذي يقول إن المنطقة تعيش تصعيدا متبادلا منذ عام بين الطرفين، وإن المشهد “كان يشير إلى سعي كل طرف من الطرفين لتوسيع تحالفاته داخليا وإقليميا ودوليا”.
وحتى الحصار الذي أعلنته الحركات المسلحة على العاصمة ليس جديدا، حيث سبق لهذه الحركات فرض حصار مماثل على باماكو نهاية العام الماضي، مما تسبب في أزمة محروقات كبيرة وأجبر الحكومة على تعليق الدراسة 10 أيام، حسب ما قاله ولد المصطفى خلال مشاركته في برنامج ما وراء الخبر.
فما حدث يوم 25 أبريل/نيسان الماضي، عندما ضرب المسلحون الحكومة في مناطق حيوية منها القصر الرئاسي والمطار وقاعدة كاتيا التي يتحصن بها قادة مالي والتي نُفذت منها كل الانقلابات التي شهدتها البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية، كان ذروة المواجهة ولم يكن بداية، برأي ولد المصطفى.
ولا يختلف الخبير في شؤون الساحل وغرب أفريقيا أوفيغوي أوغويغو مع الحديث السابق، لكنه يقول إن هذا الهجوم كان منسقا ومدعوما من دول أخرى، وهو ما يظهر في الأهداف المهمة التي طالها في شمال ووسط البلاد.
وقد أعلنت الحكومة الحصول على أدلة تؤكد حصول هذه الجماعات المسلحة على دعم خارجي لكنها لم تكشف هذه الأدلة، بحسب أوفيغوي، الذي قال لـ”ما وراء الخبر” إن الهجوم فشل في إسقاط النظام بنهاية المطاف.

جزء من صراع دولي
فهذه المواجهات -من وجهة نظر المتحدث- تمثل جانبا من “الحرب الباردة الدائرة بين روسيا وفرنسا في عدد من دول الساحل التي طردت الفرنسيين وتحالفت مع الروس”، كما يقول أوفيغوي.
كما أن الجماعات التي تحاول إسقاط غويتا “انفصالية أو إرهابية، وليس بينها زعيم يمكنه جمع أو تمثيل الماليين”، حسب تعبير المتحدث، الذي يقول إن مالي “اختارت روسيا شريكا، وربما لم تسر الأمور بشكل جيد لكن هذا لا يعني أن تقدما لم يُحرز”.
في المقابل، ينفي الباحث الأول بمعهد السياسة العالمية جاك رولان تورط فرنسا في هذه التطورات التي يقول إنها ناجمة عن فشل غويتا في إدارة البلاد، ودخوله في حروب مع كل دول الجوار تقريبا.
فقد كانت الأمور تتحرك منذ فترة، وما حدث أن اللحظة قد حانت “لأن هناك مجموعتين مسلحتين تعاديان الحكومة اتفقتا على إسقاطها رغم خلافاتهما الخاصة”، وفق رولان.
ومن الأمور المهمة أيضا، برأي رولان، أن “الجهاديين يحظون بدعم شعبي بسبب نجاحهم في أمور فشلت فيها الحكومة، حتى لو لم يقدموا النموذج المطلوب”.
بيد أن ولد المصطفى لا يرى في معاداة هاتين الجماعتين لغويتا سببا كافيا لتحالفهما، ويقول إن هناك عدة عوامل داخلية وإقليمية ودولية بنت الثقة بين الجماعتين، وإن طرفا خارجيا ساعد في بناء هذه الثقة بين الجماعتين اللتين استفادتا من التطورات التي حدثت في دول مثل سوريا.
يضاف إلى ذلك -برأي ولد المصطفى- فشل غويتا الذي حكم عبر انقلاب عسكري في 2020 في إدارة البلاد، وخسارته التيار المدني الذي أوصله إلى الحكم وحله الأحزاب السياسية ثم معاداته لجيران مالي كساحل العاج والجزائر والسنغال وموريتانيا.
ومن الأسباب المهمة التي أدت إلى تقوية الجماعات المناهضة للنظام الحاكم “دخول غويتا في الصراع الكبير الذي تخوضه روسيا ضد حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي يسعى بقوة لإسقاط غويتا، والذي ربما وفّق بين هاتين الجماعتين”، حسب ولد المصطفى، الذي يرى أن فرنسا “هي المستفيد الأول من إسقاط هذا النظام”.
ففرنسا -يضيف ولد المصطفى- “تحاول تدارك ما يمكن بعد خسارة نفوذها في الساحل وهي قريبة من الانقلابات التي نُفذت في الغابون وفي غينيا بيساو مؤخرا، وقد تناولت وسائل إعلام موريتانية حديثا عن دعم فرنسي للأزواديين تحديدا وتدريبهم على استخدام المسيّرات”.

السيناريوهات المحتملة
وحاليا، يعتقد ولد المصطفى أن مالي تواجه واحدا من 3 سيناريوهات هي:
- أن ينتصر النظام الحاكم وعندها سيحاول الانتقام من كل من يعتقد أنه متورط فيما يجري بما في ذلك دول الجوار.
- أن تنجح المعارضة في إعادة النظام المدني إلى البلاد، وهو السيناريو الأكثر بعدا.
- حدوث انقلاب على غويتا وتحميله مسؤولية تدهور الأوضاع، وهو الاحتمال الأقرب، لكنه سيكون حلا مؤقتا وليس جذريا.





