مقاومة بالضوء.. محاولات لبعث السينما اليمنية من تحت الركام والحصار

تعز – في قاعة صغيرة بمدينة تعز، وسط اليمن، تنطفئ الأنوار فجأة، ويعمّ الصمت قبل أن تضيء شاشة نادرة في بلد غابت عنه دور السينما منذ سنوات.
لا تذكرة في شباك ولا صالة عرض تعمل بشكل منتظم، لكن جمهوراً يتجمع كل أسبوع ليعيد اختبار تجربة شبه منسية: مشاهدة فيلم بشكل جماعي في مدينة أنهكتها الحرب وعزلتها الشاشات الصغيرة، ففي ظل غياب دور السينما في اليمن منذ سنوات برزت مبادرات محدودة تحاول إعادة إحياء تجربة المشاهدة الجماعية.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
ومن بين هذه المبادرات، يأتي مشروع (سينما الأربعاء) الذي يُنظم عروضاً أسبوعية في مقر مؤسستي “بيت الصحافة” و”أرنيادا” بمدينة تعز، مستهدفاً خلق مساحة عرض ونقاش مفتوحة أمام الجمهور لا سيما في مدينة تعيش ويلات الحرب منذ 11 عاماً.
الشاشة.. ديوان الإنسان الحديث
ويربط القائمون على المشروع بين تطور الفنون ودورها في حفظ الذاكرة الجمعية، وهو ما يشير إليه رئيس مؤسسة “أرنيادا” للتنمية الثقافية آدم الحسامي في حديثه “للجزيرة نت” قائلاً: “مثلما كانت الأنواع الشهيرة من الآداب والفنون في العصور القديمة دواوين لمعارف الشعوب وذاكرة لوجدانهم، أصبحت السينما وأخواتها من الفنون التمثيلية ديواناً للحضارة الإنسانية في العصر الحديث، ففي كل شاشة منزلية أو محمول شخصي هناك مساحة رئيسية لهذه الأعمال حتى في البلدان المنكوبة بالحروب والأزمات الاقتصادية”.
وأوضح الحسامي أن التطور الرقمي أزال الموانع السلطوية، “لكن تظل هناك غصة ودلالة سلبية على خوف المجتمع من الفن، غصة مستمرة منذ عقدين تتمثل في غياب عروض المشاهدة الجماعية أو دور السينما”.
مسار طويل نحو العتمة
وجاء اختفاء دور السينما في اليمن ضمن مسار طويل من التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أدت تدريجياً إلى إغلاق صالات العرض حتى اختفائها بالكامل.
ويوضح آدم الحسامي خلال حديثه “للجزيرة نت” أن ذلك خلق مناخاً معادياً للحرية والفنون والقيم الجمالية والانفتاح على العالم، كما أن استخدام الأفراد أجهزتهم الشخصية في المشاهدة لا يحدث تأثيراً عاماً، وهو ما تؤكده إحصائيات الإنتاج الشحيح للسينما في اليمن، رغم توفر الإمكانيات والكاميرات الرقمية، إلا أن غياب المناخ هو العائق الأكبر.
في مقابل هذا الواقع يسعى مشروع (سينما الأربعاء) إلى إعادة تقديم العرض السينمائي باعتباره تجربة جماعية تفتح المجال أمام النقاش والتفاعل بين الجمهور وصناع المحتوى.
ويؤكد الحسامي أن المشروع جاء استجابة مباشرة لهذا الفراغ، موضحاً للجزيرة نت: “أتت فكرة سينما الأربعاء كنشاط ثقافي استثنائي في اليمن يوفر ما هو متاح لكل البشر في مدن العالم”. حيث يشمل المشروع عروض الأفلام ومساحة نقاشية يحضرها إلى جانب الجمهور من الجنسين صناع أفلام شباب ومثقفون ونقاد ومحترفو فنون تمثيلية في التلفزيون والمسرح “يحلمون هم أيضاً بأن تكون لهم تجارب سينمائية”.
وبحسب الحسامي مثلت العروض الأسبوعية، التي بدأت في فبراير/شباط 2025، محكاً مباشراً بين الجمهور والحالمين بصناعة السينما من جهة وبين طواقم مؤسستي “أرنيادا” و”بيت الصحافة” “إذ أنهينا الاقتصار القسري على الأنشطة الموسمية والمناسباتية بالتزام أسبوعي لا يتوقف تحت أي ظرف”.
عروض تخصصية
كان التحدي الأكبر أمام هذا المشروع هو ردود الفعل الاجتماعية والحملات الرافضة المتوقعة وفق آدم الحسامي، “إذ كيف نعيد ما ظل مغلقاً لعقود بتشويه يكرس صورة سلبية عن هذا الفن، فجاءت فكرة ربط السينما بالمعرفة والمجالات المهنية، وبدأنا بنمط تخصيص شهر لكل مجال مهني أو معرفي، بداية بشهر أفلام الصحافة ودعونا طلاب الإعلام وخريجيه ولم نتوقع ذلك النجاح وردة الفعل الإيجابية”.

السينما.. درس حي
يروي الحسامي كيف اعتبر جمهور السينما في شهرها الأول، والذين كانت غالبيتهم من الصحفيين وطلاب الإعلام، الأفلام المعروضة التي تحكي قصص صحفيين وتحقيقات شهيرة دروساً بالغة الأثر لم يُتح لهم أن يتلقوها في الجامعة، ودفع ذلك “بيت الصحافة” و”أرنيادا” للانتقال لمجالات أخرى مثل الأفلام القانونية والصحية والفنون والبيئة، وتنوع الجمهور من المتخصصين والجمهور العام.
ويقول الكاتب والمخرج المسرحي أحمد جبارة “للجزيرة نت” إن المشاهدة الفردية أفقرت حصيلة هذه الفنون وأثرها، لأن السينما فن وصناعة وإنتاج جماعي، وكان الحضور لمشاهدة السينما أو المسرح في الماضي طقساً شعبياً يتطلب وجود جمهور متفاعل.
وأشار إلى أن مبادرات مثل “سينما الأربعاء”، رغم أهميتها، لا يمكن أن تعوض غياب الدور المؤسسي، متمنياً أن تعود الحياة إلى السينما والمسرح، وأن يكون حضورهما يومياً لا مناسباتياً “فتعز بوصفها عاصمة الثقافة اليمنية لا يمكن أن تكون عاصمة ثقافية بلا سينما”.
بدورها، تضيف نور السامعي، التي تدرس الإعلام في جامعة تعز، في حديثها “للجزيرة نت” أن “سينما الأربعاء” تقدم “فرصة نادرة لتجربة العروض السينمائية في بلد لا وجود فيه لدور السينما، والأجمل أنه يقدّم أفلاماً متخصصة، فنحصل من خلاله على متعة مشاهدة فيلم سينمائي، إلى جانب الفائدة من أفلام تناقش قضايا معرفية واجتماعية نوعية”.
جمهور يتشكل من جديد
وسجل مشروع “سينما الأربعاء” أرقاماً لافتة منذ انطلاقه في 5 فبراير/شباط 2025 وحتى مايو/أيار 2026، حيث نجح في تنظيم 61 عرضاً سينمائياً حتى نهاية أبريل/نيسان 2026، مع حضور يتراوح بين 20 إلى 25 شخصاً، وغالبية من النساء، في كل عرض. وعلى صعيد الأثر النوعي رصد التقرير السنوي للمشروع تحسناً بنسبة 70% في عمق تفاعل الجمهور وتحولهم من المشاهدة السلبية إلى المشاركة النقدية في النقاشات. وتوزعت العروض على مجالات تخصصية عدة، شملت الصحافة والقانون والتعليم، بالإضافة إلى إنتاج مواد صحفية توثق حياة المرأة الريفية، وتخصيص أشهر لقضايا الصحة والمناخ والموسيقى وحقوق الإنسان.

ويوضح الحسامي “للجزيرة نت” أنه “بعد عام من العروض المتخصصة انتقلنا إلى تصنيف يدرس تجارب كل دولة أو إقليم على حدة، استقصاء للمدارس السينمائية التي هُمّشت بهيمنة هوليود، والبداية كانت من التجارب السينمائية اليمنية القليلة، ثم شهر الأفلام السعودية كبلد مجاور عانى مثلنا من غياب هذا الفن وتصاعد إنتاجه في السنوات الأخيرة”، مؤكداً توجههم للانتقال إلى تجارب دول وأقاليم أخرى، والانفتاح على مختلف المنتديات السينمائية في حوار مفتوح بين الشعوب.
ذاكرة مهجورة.. هل تعود للحياة؟
وضمن اهتمامات “بيت الصحافة” و”مؤسسة أرنيادا” في مجال السينما، شارك ممثلون عن مشروع “سينما الأربعاء” في زيارة تفقدية نفذها مكتب الثقافة بمحافظة تعز (وكانت الجزيرة نت حاضرة أثناء الزيارة) للاطلاع على أوضاع “سينما سبأ” بعد سنوات من الإغلاق، ضمن مساع لإعادة تفعيل دور السينما والمساحات الثقافية في المحافظة. وتعد سينما سبأ في تعز واحدة من أبرز المعالم الثقافية والترفيهية التاريخية بالمدينة حيث كانت تشتهر بعرض الأفلام الهندية.

وفي عدن، جنوبي اليمن، يجري ترميم وتأهيل “سينما أروى” في مديرية كريتر، والتي تعد من أقدم دور العرض؛ حيث عرفت في فترة الوجود البريطاني باسم “برافين”. ويأتي هذا المشروع بتمويل من الاتحاد الأوروبي عبر منظمة اليونيسكو، وإشراف السلطة المحلية بمديرية صيرة.
وفي 30 مارس/آذار 2026 زار سفير الاتحاد الأوروبي (باتريك سيمونيه) “الرصيف السياحي” و”سينما أروى” في عدن للاطلاع على سير أعمال الترميم، حيث ذكر بيان للبعثة أن هذه المشاريع تهدف إلى الحفاظ على الموروث الثقافي لمدينة عدن، بالتوازي مع خلق فرص عمل للمجتمعات المحلية ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة.





