من هرمز إلى باب المندب..حرب اليمن مآلاتها
ادريس احميد..كاتب صحفي ليبي
في خضم التوتر والصراع المتصاعد في المنطقة، تعود الحرب اليمنية إلى واجهة المشهد، بين القوات الحكومية المدعومة من السعودية وقوات الحوثيين المدعومة من إيران. وبينما كانت الأنظار مركزة على مآلات الحرب الأميركية ـ الإيرانية وتداعياتها، تتجه الأنظار مجدداً إلى جبهة اليمن، وتحديداً إلى منطقة باب المندب والبحر الأحمر، في ظل التوتر المتصاعد حول مضيق هرمز.
وتكتسب التطورات في الجبهتين أهمية تتجاوز حدود الصراع العسكري، نظراً لارتباط هرمز وباب المندب بأمن الطاقة والتجارة العالمية وحركة الملاحة البحرية، وما يمكن أن يترتب على اضطرابهما من تداعيات اقتصادية وأمنية وسياسية على المنطقة والعالم.
ومن هنا، لا تبدو الحرب في اليمن مجرد صراع على النفوذ داخل دولة مأزومة، بل جزءاً من معادلة أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. والسؤال لم يعد فقط: من يحقق تقدماً عسكرياً؟ بل: كيف ستعيد هذه الحروب رسم النظام الإقليمي، ومن سيكون قادراً على التأثير في قواعد الأمن والنفوذ بعد انتهائها؟
أطراف الصراع ومصالحها
السعودية: تسعى إلى تأمين حدودها ومنشآتها الحيوية وحماية البحر الأحمر وباب المندب، ومنع تحول اليمن إلى مصدر تهديد دائم، إلى جانب تحسين موقعها التفاوضي في أي تسوية سياسية.
الحكومة اليمنية والقوى المتحالفة معها: هدفها استعادة مؤسسات الدولة ومناطق سيطرة الحوثيين، لكن التحدي لا يقتصر على الميدان، بل يمتد إلى توحيد القوى المناهضة للحوثيين وبناء تسوية سياسية تحافظ على وحدة الدولة.
الحوثيون: يسعون إلى الحفاظ على نفوذهم السياسي والعسكري وضمان موقع رئيسي في أي تسوية مستقبلية. وتمثل قدرتهم على التأثير في باب المندب وتهديد المصالح السعودية ورقة ضغط تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.
إيران: تنظر إلى الحوثيين كجزء من منظومة نفوذها الإقليمي وأداة للضغط على خصومها، خصوصاً السعودية والولايات المتحدة. لكن استمرار الحرب والضغوط العسكرية والاقتصادية على طهران قد يؤثر في قدرتها على تقديم الدعم، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انهيار الحوثيين.
الولايات المتحدة: تركز على حماية الملاحة والطاقة والحد من النفوذ الإيراني، مع تجنب التورط المباشر في حرب برية جديدة. ومن ثم يظل دعمها الاستخباراتي والعسكري غير المباشر عاملاً مؤثراً، مع استمرار النقاش حول حدود الالتزام الأميركي بأمن حلفائها في المنطقة.
تركيا وباكستان: يمثل انخراطهما المتزايد محاولة لتوسيع حضورهما الإقليمي وتعزيز التعاون الدفاعي مع السعودية. ويعكس تحالف مكة اتجاهاً نحو بناء قدرة أمنية إقليمية أكبر، وإن كان لا يزال في مرحلة بناء مؤسساته وآليات عمله.
الصين وروسيا وأوروبا: تنظر هذه القوى إلى أمن هرمز وباب المندب من زاوية أوسع، تتعلق بالطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والملاحة الدولية، ولذلك سيكون لها مصلحة في التأثير في أي ترتيبات أمنية وسياسية تنشأ بعد الحرب.
تحالف مكة.. بديل أم تنويع للمظلة الأمنية؟
صعود التعاون السعودي ـ التركي ـ الباكستاني لا يعني بالضرورة استبدال الولايات المتحدة، وإنما يشير إلى توجه سعودي وإقليمي نحو تنويع مصادر الأمن وتقليل الاعتماد على طرف خارجي واحد.
وقد اكتسب هذا التوجه أهمية أكبر مع اتساع التساؤلات حول حدود الانخراط الأميركي المباشر في أزمات المنطقة. وفي المقابل، لا تزال واشنطن تمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية وتقنية يصعب تعويضها سريعاً.
لذلك، قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو نشوء منظومة أمن متعددة الأطراف، تحتفظ فيها الولايات المتحدة بدور مهم، لكن إلى جانب قوى إقليمية مثل السعودية وتركيا وباكستان، بما يعكس انتقالاً تدريجياً نحو ملكية إقليمية أكبر للأمن.
ماذا عن إيران بعد الحرب؟
مستقبل إيران سيكون عاملاً حاسماً في شكل المنطقة المقبلة.
إذا بقي النظام الإيراني، ولو وهو أضعف عسكرياً واقتصادياً، فمن المرجح أن تسعى طهران إلى إعادة بناء قدراتها وفتح قنوات تفاوض مع دول الخليج، لأن استبعاد إيران بالكامل من معادلة الأمن الإقليمي يبدو صعباً بالنظر إلى موقعها الجغرافي وثقلها السكاني والاقتصادي والاستراتيجي.
أما إذا حدث تغيير سياسي كبير في إيران، فستدخل المنطقة مرحلة أكثر تعقيداً، لأن أي فراغ محتمل سيجذب تنافساً بين القوى الإقليمية والدولية لإعادة توزيع النفوذ.
وفي الحالتين، ستكون دول الخليج أمام معادلة جديدة: كيف توازن بين الردع والحوار، وبين بناء تحالفات إقليمية والحفاظ على الشراكات الدولية؟
من هرمز إلى باب المندب
إذا انتهت الحرب الأميركية ـ الإيرانية، سواء عبر تسوية سياسية أو تغير كبير في موازين القوة، وتزامن ذلك مع تسوية في اليمن، فمن الصعب أن تعود المنطقة إلى وضعها السابق.
فهرمز وباب المندب ليسا مجرد مضيقين جغرافيين، بل عقدتان استراتيجيتان للطاقة والتجارة العالمية. وأي اضطراب طويل فيهما يرفع كلفة النقل والطاقة ويؤثر في سلاسل الإمداد، ما يجعل أمنهما مصلحة دولية لا إقليمية فقط.
وهنا تتقاطع مصالح القوى الكبرى: الولايات المتحدة تريد الحفاظ على حرية الملاحة وتقليص النفوذ الإيراني، الصين تحتاج إلى استقرار طرق التجارة والطاقة، أوروبا معنية بأمن الإمدادات والملاحة، بينما تسعى روسيا إلى الحفاظ على نفوذها وقدرتها على المناورة في المنطقة.
الخلاصة: الحرب قد تنتهي.. لكن النظام الإقليمي لن يعود كما كان
النتيجة الأهم للحروب الحالية لن تتحدد فقط بمن يسيطر على مدينة أو جبهة، وإنما بمن يمتلك أوراق القوة عند لحظة التسوية، ومن يشارك في صياغة قواعد الأمن الإقليمي بعدها.
فإذا انتهت حرب اليمن والحرب الأميركية ـ الإيرانية في فترة متقاربة، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة انتقال من نظام أمني يعتمد بدرجة كبيرة على قوة خارجية واحدة إلى نظام أكثر تعدداً، تتوزع فيه مراكز النفوذ بين قوى إقليمية ودولية.
وفي هذا السياق، لن يكون تحالف مكة بديلاً سريعاً عن الولايات المتحدة، لكنه قد يكون مؤشراً على بداية مرحلة تسعى فيها دول المنطقة إلى امتلاك أدوات أمنها بصورة أكبر، مع الإبقاء على الشراكات الدولية.
الخلاصة الحاسمة أن السؤال الحقيقي لم يعد: من ينتصر في حرب اليمن أو الحرب الأميركية ـ الإيرانية؟ بل من يملك القدرة على صياغة النظام الذي سيأتي بعدهما.
ومن هرمز إلى باب المندب، تبدو المعركة الأوسع هي معركة النفوذ على شكل الشرق الأوسط نفسه: هل يتجه إلى نظام أمني إقليمي أكثر استقلالاً وتعدداً، أم تعود القوى الكبرى إلى إعادة إنتاج نفوذها القديم بأدوات وتحالفات جديدة؟




