“أسد”.. ملحمة مصرية بعيون هوليودية وأسئلة غائبة عن تاريخ العبودية

ينتمي فيلم “أسد” إلى فئة الأفلام التاريخية الملحمية، وهو أحدث أعمال المخرج محمد دياب الذي شارك في كتابة السيناريو إلى جانب شيرين دياب وخالد دياب، بينما يتصدر البطولة محمد رمضان بمشاركة ماجد الكدواني ورزان جمال وكامل الباشا، مع موسيقى تصويرية لهشام نزيه.
يقدم العمل باعتباره أحد أضخم المشاريع السينمائية المصرية في السنوات الأخيرة، كما يكرر صناع الفيلم في تصريحاتهم، سواء من حيث حجم الإنتاج أو طول فترة التحضير والتصوير.
عبيد في ديكور مصري وخيال أمريكي
يضع “أسد” أحداثه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في زمن الخديوي إسماعيل، وهي مرحلة كانت العبودية خلالها لا تزال قائمة داخل المجتمع المصري؛ في القصور والخدمة المنزلية وبعض أنماط العمل الزراعي والعسكري. وقد حُظر استيراد العبيد باتفاقية عام 1877، لكن ذلك لم ينهِ الرق، بل أوقف جلب الرقيق من الخارج ومنحهم حق طلب العتق.
اقرأ أيضا
list of 1 itemend of list
مع ذلك، لا يبدو أن الفيلم مهتم فعلا بتقديم صورة تاريخية دقيقة عن طبيعة العبودية في مصر الحديثة، بقدر ما ينشغل ببناء عالم ملحمي أقرب إلى “فانتازيا” تاريخية.
تدور الحبكة حول “أسد” الذي يتحول تدريجيا إلى قائد لتمرد ضد النخاسين المصرّين على استمرار العبودية بعد حظر الاستيراد، حفاظا على مصالحهم الاقتصادية. هذه الحبكة تستدعي مباشرة أفلاما عالمية مثل “سبارتكوس” (Spartacus) و”عبد لاثني عشر عاما” (12 Years a Slave)، وإرثا واسعا من أفلام العبودية في الولايات المتحدة، أكثر مما تستدعي التاريخ المصري نفسه.
فصورة العبودية التي يقدمها الفيلم تقوم على عالم شديد الانقسام: عبيد كتلة اجتماعية معزولة وواضحة بصريا في مواجهة سادة يملكون سلطة مطلقة، وهي صيغة مألوفة في السينما الهوليودية، لكنها لا تعكس تعقيد العبودية في مصر القرن التاسع عشر.
ففعليا، لم تكن العبودية في مصر الحديثة مقصورة على نموذج العبيد السود في الحقول، الذي يهيمن على الخيال السينمائي الغربي. تشير كتب مثل “كل رجال الباشا” و”تاريخ العصامية والجربعة” إلى أنماط متعددة من العبودية: عبودية منزلية في قصور الطبقة الحاكمة، عبيد خدمة، جوارٍ، إضافة إلى استخدام بعض العبيد من أصول أفريقية في الجيش أو الزراعة. كما أن العبيد لم يكونوا جميعا من أصول أفريقية، فقد ضم المجتمع المصري عبيدا من أصول شركسية وجورجية وقوقازية، وهو جانب يغيب تماما عن العالم الذي يبنيه الفيلم.
هنا تتضح مشكلة “أسد”: التاريخ يُستخدم كديكور بصري أكثر من كونه واقعا اجتماعيا معقدا. الفيلم يختار حقبة حقيقية ثم يعيد تشكيلها وفق خيال سينمائي عالمي عن العبودية والثورة والتحرر، فيصبح أقرب إلى “أسطورة عبد ثائر” من كونه قراءة جادة لمصر في عهد الخديوي إسماعيل.
كثيرا ما يشعر المتفرج أن الأحداث تدور في جنوب الولايات المتحدة أو في إمبراطورية متخيلة، أكثر مما تدور في مصر الحديثة التي كانت علاقتها بالعبودية أكثر تشابكا والتباسا مما يقدمه العمل.
مع ذلك، لا يعني هذا أن الفيلم محبط فقط لأنه غير دقيق تاريخيا، بل يطرح سؤالا مختلفا: هل كان محمد دياب معنيا أصلا بإعادة بناء التاريخ، أم أنه يستخدم لحظة تاريخية حقيقية لصناعة ملحمة إنسانية عن القهر والحرية؟ الإجابة أن “أسد” لا يتعامل مع التاريخ كوثيقة، بل كمادة خام لصناعة عالم بصري ونفسي شديد التأثر بخيال السينما العالمية عن العبيد والثورات والرجال المعذبين.
ميلودراما رومانسية تحت سياط العبودية
يقترب “أسد” من واحدة من أكثر الفترات التباسا في تاريخ مصر الحديث، فترة حكم أسرة محمد علي واستمرار العبودية بأشكال مختلفة، وصلت أحيانا إلى استعباد الفلاح نفسه. لكن الفيلم لا يذهب إلى هذه المنطقة المعقدة، قدر ما يفضّل بناء ملحمة عاطفية مبسطة عن عبد أسود يقع في غرام فتاة بيضاء من أصول شامية؛ إعادة تدوير تقريبية لقصة عنترة وعبلة وحكايات الحب المستحيل القديمة.
هذه العلاقة العاطفية لا تبقى مجرد خط درامي موازٍ، بل تتحول إلى المحرك الأساسي للأحداث، على حساب قراءة أعمق لفكرة العبودية نفسها وعلاقتها ببنية السلطة والدولة الحديثة في مصر.
يبدو هذا التبسيط أكثر وضوحا إذا استعدنا أن العبودية في مصر القرن التاسع عشر لم تكن مجرد علاقة مباشرة بين “سيد” و”عبد”، بل جزء من جهاز سياسي وعسكري واقتصادي معقد. فمحمد علي حاول بناء جيش من العبيد، وأرسل عشرات الآلاف منهم إلى أسوان للتدريب العسكري قبل أن تفشل التجربة جزئيا بسبب الأمراض والوفيات الجماعية. كما استمرت الدولة في استخدام العبيد والمماليك المعتوقين داخل المؤسستين العسكرية والإدارية، وهو ما خلق علاقة ملتبسة بين العبد والسلطة، فالعبد لم يكن دائما خارج الدولة أو في مواجهتها، بل جزءا من أدواتها أحيانا.
لكن “أسد” يتجاهل تقريبا هذا التاريخ العسكري والسياسي، مفضلا الصيغة الهوليودية الأبسط: عبد مظلوم، سلطة شريرة، قصة حب مستحيلة، تمرد يقود إلى الحرية. هكذا تختزل العبودية من بنية اجتماعية وسياسية معقدة إلى خلفية ميلودرامية لقصة رومانسية.
القضايا الكبرى كوقود درامي
هذا الميل إلى استخدام قضية شديدة الحساسية كوقود درامي أكثر منه موضوعا للبحث ليس جديدا تماما في تجربة آل دياب. ففيلم “أميرة” أثار جدلا واسعا عند عرضه بسبب طريقة تناوله قضية “أطفال النطاف” الفلسطينيين، وهي قضية بالغة الخصوصية داخل السياق الفلسطيني. وقتها رأى كثيرون أن الفيلم استخدم موضوعا سياسيا وإنسانيا مركبا لصناعة حبكة صادمة ومثيرة، دون حساسية كافية لتعقيداته الواقعية وآثاره الاجتماعية والسياسية.
في “أسد” يتكرر المنحى ذاته، فالعبودية لا تقدم كنظام تاريخي متشابك يرتبط بالجيش والاقتصاد والسلطة والاستعمار الداخلي، بل كخلفية بصرية ودرامية لصناعة حكاية يسهل تلقيها، رغم ثقل الموضوع الذي تستند إليه.
على مستوى الأداء، يبدو أن محمد رمضان يحاول هنا الاقتراب من مساحة أكثر “فنية” مقارنة بأفلامه التجارية المعتادة، مستفيدا من اسم محمد دياب والإطار التاريخي الثقيل للفيلم. لكن أدوات الأداء لا تتغير كثيرا؛ لا يزال يعتمد على الحضور الجسدي الحاد، ونبرة الصوت ذاتها، والانفعالات نفسها التي قدمها مرارا في شخصية البطل الشعبي المقهور الذي يتحول إلى رمز قوة. كأن الاختلاف الحقيقي ليس في الشخصية بقدر ما هو في الديكور؛ نسخة ملحمية من الأدوار السابقة وليست قفزة جديدة في أدوات التمثيل.
في المقابل، يمنح الفيلم مساحة أكثر إثارة لعلي قاسم، الذي يقدم ربما أفضل أداء في مسيرته حتى الآن، عبر شخصية شريرة معقدة نفسيا واجتماعيا. فـ”يكن” ليس شريرا تقليديا فحسب، بل يحمل تناقضا داخليا حادا: رجل ذو أصول مختلطة يحاول التنصل من عرقه ولون بشرته ليحجز لنفسه مكانا بين الناجين من منظومة العبودية، فيتحول إلى الأكثر قسوة على العبيد.
هذه التركيبة تجعل أداء علي قاسم قائما على احتقار الذات والخوف والرغبة المستمرة في إثبات الانتماء إلى السلطة، وهو ما يمنح الشخصية طاقة درامية كثيفة وحضورا أكثر تعقيدا وإقناعا من البطل نفسه في كثير من اللحظات.
بهذا المعنى، يقدم “أسد” فيلما ملحميا بصريا عن عبد ثائر وشرير معذب داخليا، لكنه يظل متأثرا بخيال هوليودي عن العبودية والقهر أكثر من انشغاله بسؤال: كيف كانت العبودية فعلا في مصر، وماذا تركت من أثر في بنيتها الاجتماعية حتى اليوم؟





