ارتدادات “طوفان الأقصى”.. مشروع حل الكنيست يربك حسابات نتنياهو

القدس المحتلة – صادق الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) بعد ظهر اليوم الأربعاء بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون لحل نفسه، في خطوة تعكس عمق الأزمة السياسية داخل الائتلاف الحاكم في إسرائيل برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية حرب الإبادة في غزة.
وأيد مشروع القانون 110 من أعضاء الكنيست دون أي معارضة، على أن تتم لاحقاً مناقشة القانون في اللجان البرلمانية ذات الاختصاص وعرضه مجدداً على الهيئة العامة للكنيست للمصادقة عليه بالقراءات الثلاث ليكون قانوناً ساري المفعول.
وجرى التصويت على القانون مع تغيب نتنياهو عن الجلسة، كما تغيب عن التصويت كل من وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وزعيم حركة شاس الحريدية أرييه درعي.
المعارضة تدعم الحل
يأتي التصويت وسط تصاعد الخلافات مع الأحزاب الحريدية بشأن قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية، وتزايد الضغوط السياسية المرتبطة بالحرب المتواصلة وتداعيات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وكان رئيس الائتلاف الحكومي أوفير كاتس قد قدم مشروع قانون خاص لحل الكنيست، بالتنسيق مع رؤساء أحزاب الائتلاف، فيما دعت كتل المعارضة إلى دعم المقترح خلال الجلسة المرتقبة، في محاولة لإسقاط الحكومة والتوجه إلى انتخابات مبكرة.
ورغم أن الانتخابات التشريعية المقبلة كان يفترض أن تُجرى بحلول 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلا أن نتنياهو يسعى، وفق تقديرات سياسية إسرائيلية، إلى تفادي الوصول إلى موعد يتزامن مع الذكرى الثالثة لمعركة “طوفان الأقصى”، التي تحولت في الوعي الإسرائيلي إلى رمز لأكبر إخفاق أمني واستخباراتي وعسكري في تاريخ إسرائيل الحديث، وهي الذكرى التي يخشى أن تتحول إلى محطة سياسية وشعبية لمحاسبته.
يحمل مشروع القانون المطروح طابعاً خاصاً، وليس حكومياً، ما يعني أنه يحتاج إلى المرور بعدة مراحل تشريعية تبدأ بالقراءة التمهيدية، ثم القراءة الأولى، وصولاً إلى القراءتين الثانية والثالثة، الأمر الذي قد يستغرق أسابيع أو حتى أشهراً، وفقاً لحجم المناورات السياسية داخل الائتلاف والمعارضة.
أبرز السيناريوهات
وبحسب نص المشروع، فإن الانتخابات تُجرى بعد 90 يوماً على الأقل من المصادقة النهائية على حل الكنيست، ما يفتح الباب أمام سلسلة من السيناريوهات السياسية المعقدة:
السيناريو الأول: يتمثل في نجاح المعارضة، بدعم من الأحزاب الحريدية الغاضبة، في تمرير القراءة التمهيدية، ما سيشكل ضربة سياسية مباشرة لنتنياهو ويؤشر إلى تصدع ائتلافه الحاكم. لكن حتى في هذه الحالة، يبقى بإمكان الائتلاف العمل على تعطيل المشروع أو إبطاء مساره في المراحل اللاحقة، عبر المفاوضات والضغوط السياسية وصفقات اللحظة الأخيرة مع الحريديم.
السيناريو الثاني: فهو فشل التصويت على حل الكنيست في المراحل التالية، وهو احتمال قد يصب مؤقتاً في مصلحة نتنياهو، لأنه سيمنحه وقتاً إضافياً لترميم ائتلافه واحتواء أزمة التجنيد. كما سيتيح له الاستمرار في إدارة الحرب والملفات الأمنية من موقع القوة، خصوصاً أنه يدرك أن أي انتخابات تُجرى الآن قد تتحول إلى استفتاء مباشر على مسؤوليته عن إخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الأول وعن نتائج الحرب متعددة الجبهات.
هواجس نتنياهو
في هذا السياق، يقول الباحث بالشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت: “تبدو هواجس نتنياهو السياسية مرتبطة بثلاثة عوامل مركزية:
- ذاكرة السابع من أكتوبر/تشرين الأول و”طوفان الأقصى” التي لا تزال حاضرة بقوة داخل المجتمع الإسرائيلي.
- عدم قدرته على تحقيق “نصر حاسم” في غزة أو في أي من الجبهات المفتوحة.
- تراجع الثقة الشعبية بشعاره المتكرر حول “النصر المطلق”.
ورغم الخطاب السياسي والإعلامي الذي يروّج لإنجازات عسكرية، إلا أن قطاعات واسعة داخل إسرائيل -يضيف شلحت للجزيرة نت- ترى أن الحرب لم تحقق أهدافها المعلنة، سواء ما يتعلق بالقضاء على حركة حماس، أو إعادة الأسرى، أو استعادة الردع بصورة كاملة، وسط الفشل في نزع سلاح حزب الله والإخفاق في حسم الحرب على إيران.
ويعتقد أنه بالنسبة لنتنياهو فهذه الظروف ليست المناسبة للتوجه لصناديق الاقتراع، فهو لا يمكنه أن يقدم للناخب الإسرائيلي نتائج توصف بـ”الإستراتيجية” بكل ما يتعلق في الحروب متعددة الجبهات، وهو الأمر الذي يضع نتنياهو أمام معادلة معقدة، فهو لا يريد الذهاب إلى انتخابات في ظل صورة إخفاق غير محسوم، لكنه في الوقت نفسه يواجه أزمة داخلية متفاقمة تهدد بقاء حكومته.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن نتنياهو لن يذهب إلى انتخابات إلا إذا ضمن، أو شعر بوجود فرصة حقيقية، لتشكيل الحكومة المقبلة. ولذلك، يقول شلحت “هو يفضل إبقاء المشهد معلقاً بين خيار التلويح بالانتخابات وخيار تأجيلها”، مع الاستمرار في استثمار الحرب والخطاب الأمني لتوحيد معسكر اليمين خلفه، وعليه فإن موعد الانتخابات مرتبط بنتائج الحروب على الجبهات المتعددة.
انتخابات مبكرة؟
تدرك المعارضة، يقول الباحث بالشأن الإسرائيلي إن أي تأجيل إضافي قد يمنح نتنياهو فرصة لإعادة ترتيب أوراقه السياسية والأمنية، ولذلك تحاول الدفع نحو انتخابات مبكرة قبل أن ينجح في تغيير المزاج العام أو تحقيق إنجاز سياسي أو عسكري يمكن أن يعيد ترميم صورته، بحيث إن الهدف الأساس لنتنياهو البقاء على سدة الحكم.
وسط هذه التقديرات والقراءات للمعارضة، يضيف شلحت: “يبرز سيناريو يتمثل في بقاء الحكومة الحالية، لكن بصيغة أكثر هشاشة”، من خلال تفاهمات مؤقتة مع الحريديم تؤجل الانفجار السياسي من دون إنهاء أسبابه.
وفي هذه الحالة، يعتقد أن إسرائيل عملياً ستدخل في حالة فوضى وفي مرحلة استنزاف سياسي مفتوح، تترافق مع شلل تشريعي وتصاعد الانقسام الداخلي، في وقت لا تزال فيه الحرب مستمرة من دون حسم واضح، وهو ما يصبو إليه نتنياهو للبقاء على كرسي رئاسة الوزراء وإلغاء محاكمته بملفات الفساد وخيانة الأمانة.
أما السيناريو الأخطر، من وجهة نظر شلحت، فيتمثل في استخدام التصعيد الأمني أو توسيع المواجهة العسكرية وتعميق الحروب وإعلان حالة الطوارئ الشاملة لتبرير ذريعة لتأجيل الانتخابات أو تعطيل أي مسار سياسي يهدد بقاء نتنياهو. وهو احتمال يتزايد الحديث عنه داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية، خصوصاً في ظل الربط الذي يكرره نتنياهو بين استمراره في الحكم وبين ما يصفه بـ”حماية أمن إسرائيل” ومنع قيام دولة فلسطينية.
وفي المحصلة، تبدو معركة حل الكنيست، بحسب شلحت، أبعد من مجرد خلاف حزبي أو أزمة ائتلافية، إذ تعكس صراعاً على شكل النظام السياسي الإسرائيلي في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وعلى مستقبل نتنياهو نفسه، بين محاولة البقاء في السلطة مهما كان الثمن، وبين مخاوف متصاعدة داخل إسرائيل من دخول الدولة في أزمة حكم طويلة ومفتوحة.

التلاعب بالانتخابات
من جانبه، يرى المحلل السياسي والباحث في مركز “تقدم” للسياسات، أمير مخول، أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لم تعد شأناً إسرائيلياً داخلياً صرفاً، بل تحولت إلى محطة مفصلية تتقاطع مع مستقبل القضية الفلسطينية برمتها، في ظل صعود مشروع اليمين الصهيوديني الساعي إلى حسم الصراع عبر الضم والتهجير ومنع أي أفق لإقامة دولة فلسطينية.
وفي قراءته لخيارات نتنياهو، يرى مخول أن احتمالية تأجيل الانتخابات تبقى قائمة، بذريعة الوضع الأمني أو عبر توسيع دائرة الحرب. ويستشهد بتحذيرات رئيس الحكومة الأسبق إيهود باراك من إمكانية افتعال مواجهة عسكرية تتيح لنتنياهو تمديد بقائه السياسي.
وأشار مخول للجزيرة نت إلى أن نتنياهو، ومنذ إخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب متعددة الجبهات وعدم الحسم أو تحقيق “النصر المطلق”، بات يربط مستقبله الشخصي بمستقبل الدولة والنظام السياسي.
ويذكر بأنه خلال مؤتمره الصحفي في 21 مايو/أيار 2025، رفض نتنياهو الالتزام بإجراء الانتخابات في موعدها القانوني عام 2026 إذا استمرت الحرب، ما عزز المخاوف من احتمالات التلاعب بالمسار الانتخابي أو تأجيله.
وبحسب مخول، فإن سعي نتنياهو إلى تحديد موعد رسمي للانتخابات لا يعني بالضرورة ضمان إجرائها، بل قد يكون جزءاً من إستراتيجية تهدف إلى استكمال التشريعات التي تمنحه قدرة أوسع على التحكم بمستقبل النظام السياسي الإسرائيلي.
ويرى أن نتنياهو يضفي على بقائه في الحكم بعداً عقائدياً، مستنداً إلى خطاب قومي صهيوني يعتبر أن وجوده السياسي هو الضمانة لمنع إقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية.
مستقبل نتنياهو
وفي ما يتعلق بمستقبل نتنياهو الشخصي، يطرح مخول عدة سيناريوهات محتملة.
السيناريو الأول: يتمثل في بقائه في السلطة وربط مصير إسرائيل بمصيره السياسي، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام احتمالات التلاعب بالانتخابات أو تأجيلها بذريعة الأمن والحرب.
السيناريو الثاني: يقوم على احتمال تنحيه بسبب وضعه الصحي، وهو ما بدأ بالفعل يثير صراعات الوراثة داخل حزب الليكود.
ويرى أن نتنياهو قد لا يكون معنياً فعلياً بمصير الليكود بعده، مستحضراً ما جرى عقب خسارته انتخابات عام 1999 أمام إيهود باراك، حين ترك الحزب في حالة انهيار وابتعد لسنوات عن الحياة السياسية. لكنه يستبعد في المقابل سيناريو “الاعتزال المؤقت”، نظراً لتقدمه في السن والتحولات العميقة التي يشهدها المجتمع والسياسة في إسرائيل.
ويخلص مخول إلى أن إسرائيل تقف أمام عدة احتمالات مفتوحة:
- إسقاط حكومة نتنياهو لصالح حكومة يمين-وسط.
- تشكيل حكومة وحدة قومية صهيونية.
- استمرار الانقسام بما يمنع أي معسكر من تشكيل ائتلاف حاكم.
وفي الحالة الأخيرة، ستتحول الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال قد تكون، وفق وصفه، “الأكثر خطورة”، لأنها ستكون عملياً متحررة من الرقابة البرلمانية الفعلية، في ظل ضعف آليات المحاسبة.





