“10 مبان مقابل مسيّرة”.. ماذا وراء التصعيد الإسرائيلي على لبنان؟

يكثف الجيش الإسرائيلي غاراته على جنوب وشرق لبنان، في وقت يواصل فيه حزب الله استخدام الطائرات المسيّرة الانقضاضية، بينما تتسارع التحركات الدولية لبلورة تفاهم أمريكي إيراني ينهي الحرب في المنطقة.
ولا يبدو أن تزامن اشتداد النار مع حركة الدبلوماسية مصادفة، فالملف اللبناني تحوّل إلى محور في حسابات إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، حيث يرى مراقبون أن تل أبيب تستخدم التصعيد العسكري لمواجهة أزمتها الداخلية، في حين يطرح لبنان عنصرا أساسيا في التفاهمات الإقليمية المرتقبة.
انطلاقا من هذا المشهد، نستعرض في هذه المادة أبعاد التصعيد العسكري، والمأزقين الإسرائيلي واللبناني، وترابط ما يجري في لبنان مع مسار التفاهم الأمريكي الإيراني.
“استعصاء إستراتيجي”
على الأرض، يُترجم التصعيد الإسرائيلي بحملة جوية مكثفة، فقد أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ أكثر من 85 غارة خلال يوم واحد، زاعما استهداف أكثر من 70 “بنية تحتية” تابعة لحزب الله، بينها 10 مواقع في منطقة صور.
ولا يبدو أن هذا القصف العنيف ينفصل عن حالة عجز إسرائيلي عن تحقيق الحسم، إذ يوضح المختص بالشأن الإسرائيلي، سليمان بشارات، للجزيرة، أن إسرائيل تعيش “استعصاء إستراتيجيا كاملا”، وتلجأ لاستخدام “فائض القوة” لتعويض خسائرها ومحاولة تقصير المدى الزمني للعمليات العسكرية بعد تعثر المسار الدبلوماسي.
ويواكب هذا الاستعصاء على المستوى الإستراتيجي تحد ميداني متزايد تفرضه الطائرات المسيّرة الانقضاضية التي يطلقها حزب الله، إذ أطلق الحزب منذ 17 أبريل/نيسان نحو 1000 مسيّرة و700 صاروخ، في تحرك تعتبره واشنطن محاولة لعرقلة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة، وفقا لمسؤول أمريكي تحدث للجزيرة.
سموتريتش واستهداف المباني
أمام الخسائر المتواصلة، وتحديدا مقتل 11 جنديا إسرائيليا منذ بدء وقف إطلاق النار، يضغط المستوى العسكري الإسرائيلي لتوسيع بنك الأهداف، إذ طالب رئيس الأركان إيال زامير الكابينت بصياغة معادلة تشمل استهداف العاصمة بيروت لردع هجمات المسيرات.
هذا الضغط تُرجم أيضا بتصريحات لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي وافق على ميزانية بـ692 مليون دولار لتطوير دفاعات ضد المسيّرات، وطالب بأن “تسقط 10 مبان في بيروت مقابل كل مسيّرة متفجرة”.
ورغم إلحاح الجيش، ركزت الغارات الأخيرة على الجنوب والبقاع وصور، مع امتناع عن ضرب بيروت منذ 6 مايو/أيار تحت قيود ترتبط بوقف إطلاق النار وبمطالب من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
بن غفير والتصعيد ضد المدنيين
في السياق ذاته، تتجاوز التهديدات الإسرائيلية مجرد ضرب المباني، لتصل إلى التلويح بضرب مقومات الحياة في لبنان، إذ دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى “قطع الكهرباء عن لبنان، والاستيلاء على نهر الزهراني (40 كيلومترا شمال الحدود)، واستئناف القتال المكثف”.
وتتقاطع هذه الدعوات مع مسار تصعيدي متواصل منذ أشهر على الجبهة اللبنانية، فمنذ بداية الحرب، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 3185 شخصا وجرح 9633 آخرين، في نتيجة مباشرة لحملة القصف التي طالت لبنان كاملا.

نتنياهو بين ضغط اليمين وضبابية الموقف الأمريكي
سياسيا، يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه في موقف دقيق بين مطالبات الداخل والضغوط الخارجية.
ويفكك الباحث مهند مصطفى عبر الجزيرة هذا المشهد، موضحا أن 63% من الإسرائيليين يؤيدون عملية عسكرية متواصلة حتى احتلال جنوب لبنان.
ويضيف مصطفى أن القنوات اليمينية باتت تروج لمقولة إن الرئيس دونالد ترمب “كبل يدي الجيش” بسبب التفاهمات مع إيران.
وأمام هذا الضغط المزدوج، يشير مصطفى إلى أن إسرائيل اضطرت لتخفيض سقف أهدافها من “نزع سلاح الحزب” إلى “وقف تهديد المسيرات”.
ووفقا للباحث، يستخدم نتنياهو التصعيد الحالي لتوجيه رسالة للداخل بأنه لن يقبل بربط الساحات أو الالتزام باتفاق مع طهران يشمل الجبهة اللبنانية.
في المقابل، قال مسؤول أمريكي للجزيرة إن “أيدي إسرائيل لن تكبل.. وهذه ليست إدارة بايدن”.

المأزق اللبناني الرسمي
في المقابل، يرزح لبنان الرسمي تحت ضغوط تضعه أمام خيارات صعبة في كل الاتجاهات، فعلى الصعيد الدبلوماسي، حسم الرئيس اللبناني جوزيف عون موقفه بأن انسحاب إسرائيل من الجنوب “مطلب وطني لا تنازل عنه”، وتلقى لبنان جرعة دعم مع إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وقوف بلاده “بحزم إلى جانب الحكومة اللبنانية”.
لكن هذا الدعم يحمل في طياته مأزقا، إذ يعتبر مسؤول أمريكي تحدث للجزيرة أن أي وقف إطلاق نار ناجح تقوده الحكومة “من شأنه أن يجرد حزب الله من سلطته”.
وبحسب ما نقله الكاتب نوفل ضو على شاشة الجزيرة، رفضت الحكومة اللبنانية عرضا أمريكيا بتسليح لواء أو أكثر من الجيش اللبناني لتولي مهمة نزع سلاح حزب الله، كما تتجنب تبني هذا الهدف صراحة خشية الانقسام الداخلي.
هذه التناقضات تجعل الدولة اللبنانية، وفق ضو، تذهب إلى التفاوض تحت النار ومن دون رؤية إستراتيجية، وهو مأزق تتضاعف حدته مع استعداد لبنان وإسرائيل لعقد جولة رابعة من التفاوض المباشر برعاية أمريكية في 2 و3 يونيو/حزيران.

لبنان.. شرط أم بند؟
يظل الملف اللبناني، أحد أكبر العقد في المفاوضات الجارية -والتي تلعب فيها باكستان دور الوسيط- بين واشنطن وطهران، إذ تتبنى القيادة الإيرانية موقفا متصلبا، حيث يؤكد رئيس لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي، أنه لا محادثات دون إنهاء الحرب “وخاصة في لبنان” ورفع حصار النفط.
في المقابل، يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لربط الاتفاق بتوسيع “اتفاقات أبراهام” لتشمل دولا كالسعودية وقطر.
وهنا تبرز مفارقة لافتة ترصدها صحيفة نيويورك تايمز، فبينما تشترط طهران شمول لبنان في الاتفاق، ويصرح نتنياهو بأن ترمب أكد له -بحسب الصحيفة- حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها “في كل الجبهات بما فيها لبنان”، يتجاهل ترمب نفسه ذكر النزاع اللبناني إطلاقا في منشوراته المكثفة حول الاتفاق.
وعلى خط مواز للشرط الإيراني، عبّر أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، عن أمله بأن يشمل أي اتفاق بين واشنطن وطهران لبنان، لكنه رفض في الوقت ذاته المفاوضات المباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل.





