Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
سياسة

المنازل المائلة في غزة.. حياة معلقة على حافة الانهيار

غزة – في كل ليلة، تجهز هبة عرفات وأفراد أسرتها فراشهم بعناية فوق أرضية منزلهم؛ يضعون الوسائد في أماكنها، ويتمددون للنوم بصورة تبدو طبيعية.

لكن بعد ساعات قليلة، يستيقظون ليجدوا أنفسهم قد انزلقوا بعيدا عن مكانهم الأول، فيما تكون الأغطية قد تجمعت في زاوية أخرى من الغرفة، وكأن الأجساد كانت تتحرك فوق سطح مائل أو تسبح في الماء.

ينهض أفراد الأسرة لإعادة الفرشات إلى أماكنها وترتيبها من جديد، قبل أن تتكرر الحالة نفسها مرة أخرى مع اقتراب الفجر.

لا يحدث ذلك بسبب حركة الأطفال أو ضيق المكان، بل لأن العائلة تعيش داخل منزل مائل في غزة، فقد توازنه بفعل القصف الإسرائيلي، شأنه شأن آلاف المنازل التي اضطر سكانها للبقاء فيها رغم المخاطر، لعدم توفر أي بديل آخر للسكن.

هبة عرفات: الحياة داخل منزل مائل لا تشبه أي حياة طبيعية، فكل شيء يحتاج إلى حذر وتوازن (الجزيرة)

أمراض “عدم التوازن”

تقول هبة عرفات، وتقطن أحد المنازل المائلة، إن الحياة داخله لم تعد تشبه أي حياة طبيعية، فكل شيء من روتين الحياة اليومية، بات يحتاج إلى حذر وتوازن دائمين.

وتوضح أن أفراد الأسرة يعانون بصورة متواصلة من الصداع والدوخة وآلام الظهر والرجلين والمفاصل، نتيجة العيش داخل منزل فقد اتزانه، مضيفة أنهم مع الوقت اضطروا للتكيف مع الأمر والتعامل ببطء وحذر مع أبسط الأشياء.

وتشير إلى أن زجاجات المياه لا تبقى مستقيمة فوق الأرض، ما يدفعهم إلى إسنادها بأشياء أخرى حتى لا تنقلب، بينما يتحول الطهي إلى مهمة محفوفة بالخطر بسبب ميلان موقد الغاز.

موازنة كل شيء

وتضيف هبة أنهم يحاولون باستمرار موازنة أسطوانة الغاز والموقد، لكن الخوف يبقى حاضرا بسبب النار واحتمال الانزلاق أو وقوع أي حادث داخل المنزل.

وتضيف أن السير داخل البيت نفسه أصبح مرهقا وخطرا، إذ يخشى الجميع السقوط أثناء الحركة، خاصة الأطفال الذين يتعثرون كثيرا، فيما تعرض أفراد الأسرة أنفسهم للانزلاق مرات عديدة.

وتصف هبة أثر العيش الطويل داخل المنزل المائل بأنه تسبب لهم بما يشبه الإرباك البصري، فعندما تنظر من النافذة تشعر وكأن البيوت المحيطة كلها مائلة، بينما يبدو منزلها الوحيد مستقيما، رغم أن الواقع عكس ذلك تماما.

ورغم المخاطر اليومية، تؤكد هبة أن البقاء في المنزل المائل يبقى بالنسبة لهم أقل قسوة من العودة إلى حياة الخيام، مضيفة أنهم خاضوا تجربة النزوح سابقا ولم يستطيعوا احتمال ظروفها، فاختاروا تحمل خطر المنزل المائل على العودة إليها.

غزة- صالح أحمد - يسكن في منزل آيل للسقوط
صالح أحمد: أداء الصلاة، وخصوصًا لحظة السجود، بات من أصعب اللحظات اليومية (الجزيرة)

50 فردا في منزل مائل

وتتكرر ملامح المعاناة داخل المنزل المائل مع صالح أحمد، الذي يقطن في مبنى تبلغ درجة ميلانه نحو متر و20 سنتيمترا، ويؤوي نحو خمس عائلات يصل عدد أفرادها إلى قرابة 50 شخصا.

ويشير أحمد إلى ذات الإشكالية التي تحدثت عنها هبة عرفات، والمتعلقة بالنوم داخل هذا النوع من البيوت، إذ لا يبقى السكان في أماكنهم الطبيعية خلال الليل، بل يستيقظون صباحا ليجدوا أنفسهم قد انتقلوا إلى مواضع أخرى داخل الغرفة، وكأن حركة غير مرئية دفعت بالفراش والأجساد إلى الانزلاق من مكانها.

ويضيف أن تفاصيل الحياة داخل المنزل المائل تمتد إلى العبادات نفسها، إذ إن أداء الصلاة، وخصوصًا لحظة السجود، باتت من أصعب اللحظات اليومية، لأن الجسد لا يستقر بسهولة على أرضية غير متوازنة، وكأن السجود يتحول إلى مجهود جسدي إضافي يتطلب مقاومة الميلان.

ماذا لو حدث قصف؟

ويشير المواطن الفلسطيني إلى أن الصداع أصبح حالة شبه دائمة، يتركز في مؤخرة الرأس ويلازمه طوال اليوم، نتيجة فقدان التوازن المستمر داخل المكان.

كما يوضح أنه عند الاستيقاظ صباحا يحتاج إلى نحو عشر دقائق فقط ليعيد ضبط إحساسه بالاتزان قبل أن يتمكن من الحركة بشكل طبيعي.

ويؤكد أن أبسط تفاصيل الحياة اليومية تحولت إلى تحدٍ، فالنوم والمشي وحتى شرب الماء لم تعد أمورًا عادية، إذ قد يجد الشخص أن كأس الماء “ابتعد عنه” بفعل ميلان المكان، ما يجعله مضطرا للتعامل مع كل حركة بحذر شديد.

ويضيف أن صعود الدرج يمثل معاناة يومية إضافية، بينما يبقى الخوف الأكبر لديهم مرتبطا بأي قصف قريب، إذ يخشون أن يؤدي اهتزاز الأرض إلى انهيار المبنى الذي فقد أساساته، ولا يعتمد إلا على أعمدة قليلة متفرقة باتت تمسك البناء بشكل غير مضمون.

أحمد عرفات صاحب المنزل المائل
عائلة أحمد عرفات في منزل مائل وهو في خيمة (الجزيرة)

خيمة ومنزل المائل

عاد أحمد عرفات إلى منزله المائل، بفعل القصف الإسرائيلي، بعد تجربة نزوح سابقة، معتبرا أن العودة إليه كانت الخيار الأفضل مقارنة بمراكز الإيواء، رغم حالته الإنشائية الصعبة وغياب البدائل السكنية.

وبسبب إصابته في النخاع الشوكي واعتماده على كرسي متحرك، لم يتمكن من الصعود إلى الطوابق العليا، إذ تحول الدرج المائل إلى عائق يمنعه من الوصول إلى باقي أجزاء المنزل.

وبناءً على ذلك، صعدت زوجته وأبناؤه إلى الطوابق العليا للإقامة هناك، فيما اضطر هو إلى نصب خيمة عند مدخل البناية، لتكون مكان إقامته الدائم، بينما تتوزع بقية العائلة داخل المبنى المائل.

ويشير إلى أن أفراد أسرته أبلغوه في بداية السكن عن إصابتهم بأعراض مثل الدوخة والصداع، قبل أن يتكيفوا تدريجيا مع الوضع القائم رغم استمرار المخاطر، موضحا أن المخاوف قائمة داخل المبنى، وتشتد في حال وقوع قصف قريب.

ويعيش في المكان خمس عائلات، في ظل غياب خيارات سكن بديلة، ما يفرض عليهم الاستمرار في الإقامة داخل المنزل المائل رغم المخاطر.

غزة - محمود عبيد - مهندس مدني - مختص في المنشآت الآيلة للسقوط
محمود عبيد: البيوت المائلة في الأساس فقدت عناصر ارتكازها الأساسية على التربة (الجزيرة)

على شفا الانهيار

يحذر المهندس محمود عبيد، المختص في المنشآت الآيلة للسقوط، من أن البيوت المائلة في الأساس فقدت عناصر ارتكازها الأساسية على التربة، وهو ما يعني أن أساساتها لم تعد قادرة على أداء وظيفتها الإنشائية بشكل سليم.

ويوضح أن فقدان هذه العناصر يجعل المبنى في حالة تصنيف هندسي تُدرج ضمن “الآيلة للسقوط”، حتى وإن أعطى في الظاهر انطباعا زائفا بالصلابة والاستقرار.

ويضيف المهندس عبيد أن هذه المباني باتت تقف فعليا على “شفا جرفٍ هارٍ”، إذ يمكن أن تنهار في أي لحظة، ما يجعل النتائج المحتملة في حال الانهيار كارثية على القاطنين داخلها، خاصة في ظل اضطرارهم للبقاء فيها بسبب ضعف الإمكانيات وغياب البدائل السكنية.

ويشير إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على عدد محدود من المنازل، بل تمتد -بحسب وصفه – إلى جزء واسع من الوحدات السكنية في قطاع غزة بعد الحرب، بدرجات متفاوتة من الميلان أو الضعف الإنشائي، حتى وإن لم يكن ذلك ظاهرا بالعين المجردة.

منزل آيل للسقوط في غزة
منزل آيل للسقوط في غزة (الجزيرة)

آثار نفسية وسلوكية

ويوضح المهندس عبيد أن الإشكالية لا تتوقف عند الجانب الهندسي فقط، بل تمتد إلى البعد النفسي أيضًا، إذ إن الإنسان بطبيعته مهيأ للعيش في بيئة متزنة من حيث الأرضيات والأسقف، والعيش داخل منزل مائل قد ينعكس سلبا على السلوك والحالة النفسية، ويسهم -مع مرور الوقت- في ظهور اضطرابات مثل القلق والاكتئاب، مع تزايد فترة التعرض لهذه البيئة غير المتوازنة.

ورغم مرور نحو 8 أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار، في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، فإن سلطات الاحتلال ترفض السماح بالبدء في عملية إعادة إعمار ما دمّرته آلتها الحربية بقطاع غزة.

وبحسب تقديرات وزارة الأشغال والإسكان الفلسطينية فإن إسرائيل قد دمرت نحو 90% من منازل القطاع وبنيته التحتية، فيما يناهز حجم الركام الناتج عن الحرب 60 مليون طن.

بينما تفيد معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حتى منتصف مايو/أيار بتضرر أكثر من 198 ألف مبنى في حرب الإبادة، منها أكثر من 102 ألف مبنى مدمر كلياً.

وتقدر المعطيات عدد الوحدات السكنية التي تم تدميرها، بشكل كلي أو جزئي بنحو 330 ألف وحدة سكنية، وتشكل في مجموعها أكثر من 70% من الوحدات السكنية في قطاع غزة، إضافة إلى تدمير المدارس والجامعات والمستشفيات والمساجد والكنائس والمقرات الحكومية، وآلاف المباني من المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى