Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
منوعات

هدى الحراصية.. من الأدب إلى الكتابة في الموسيقى التقليدية.

حين ينتقل الإنسان من سطح المعرفة إلى عمقها، تتشكل رحلته الحقيقية. تلك هي الحكاية التي تختصر مسيرة الكاتبة والباحثة العُمانية هدى الحراصية، التي لم تكتفِ بأن تجعل من الأدب نافذتها إلى العالم، بل نمّت ميولها في المعرفة إلى التحول إلى الجانب البحثي، لتتجه نحو الكتابة في البحوث حول الموسيقى التقليدية العُمانية بوصفها وثيقة اجتماعية وإنسانية، لا مجرد فن يُؤدَّى أو لحن يُتداول.
تؤمن الحراصية بأن التجارب القاسية لا تصنع نهايات، بل تعيد تشكيل الإنسان بصورة أكثر نضجًا ووعيًا. ومن هذا الإيمان بدأت رحلتها مع الكتابة، التي كانت في بدايتها وسيلة لترتيب الأفكار ومداواة الأسئلة الداخلية، قبل أن تتحول إلى مشروع معرفي ورسالة ثقافية. لذلك لم تعد تنظر إلى النص الأدبي باعتباره مساحة للتعبير فحسب، وإنما مسؤولية تحمل أثرًا قد يغيّر فكرة، أو يحفظ ذاكرة، أو يفتح بابًا للتأمل.
غير أن شغفها لم يتوقف عند حدود الأدب. فقد قادها فضولها المعرفي إلى الكتابة البحثية حول الموسيقى التقليدية العُمانية، بعد أن أتيحت لها فرصة الكتابة في المجلة العُمانية للموسيقى، بدعم وتشجيع من القائمين عليها، الذين كان لهم دور في فتح المجال أمام الباحثين والكُتّاب العُمانيين للإسهام في توثيق هذا الحقل الثقافي.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الموسيقى التقليدية محورًا رئيسًا في اهتماماتها البحثية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الفنون الشعبية ليست مجرد أداء جمالي، بل هي مرآة للمجتمع، وسجلّ حيّ لتحولاته الثقافية والاجتماعية. فكل لحن، وإيقاع، وآلة موسيقية، ونص غنائي، يحمل خلفه منظومة من القيم والعادات، ويعكس علاقة الإنسان العُماني ببيئته، وبمحيطه، وبمراحل تطوره التاريخي.
ومن هنا برز اهتمامها بالبعد الأنثروبولوجي للموسيقى التقليدية، بوصفها مدخلًا لفهم الإنسان وثقافته. فالموسيقى، في منظورها، ليست حدثًا فنيًا منفصلًا عن المجتمع، وإنما ممارسة اجتماعية تكشف أنماط الحياة، والطقوس، والمعتقدات، والعلاقات الإنسانية، وتُبرز الكيفية التي تشكلت بها الهوية الثقافية عبر الزمن. ولذلك تنطلق في كتاباتها من قراءة المصادر، ومقارنة الروايات، وتتبع الأصول التاريخية والاجتماعية للفنون التقليدية، سعيًا إلى تقديم قراءة تجمع بين الدقة العلمية وفهم السياقات الثقافية التي أنتجت هذه الفنون.
وقد تُوِّج هذا الاهتمام بمشاركات علمية وثقافية تناولت الموسيقى التقليدية من منظور بحثي يسعى إلى إظهار الحقيقة ومحاولة توثيقها، من بينها مشاركتها في مؤتمر صفاقس بتونس، ومؤتمر صور الدولي، إلى جانب عدد من الندوات الثقافية، ومنها المنتدى الأدبي، حيث ركزت جميعها على توثيق الفنون التقليدية، وقراءة أثر الأنثروبولوجيا في فهمها وتحليلها وصونها.
وترى الحراصية أن الباحث والكاتب ليسا شخصيتين منفصلتين، بل وجهان لمشروع واحد؛ فالباحث يجمع المعرفة ويختبرها، بينما يمنحها الكاتب روحًا قادرة على الوصول إلى القارئ. ولهذا تحرص دائمًا على أن يلتقي جمال اللغة مع صرامة المعلومة، إيمانًا منها بأن المعرفة هي الأساس الذي يمنح الكلمة قيمتها ومصداقيتها.
وفي تطلعاتها المستقبلية، تسعى إلى تقديم المزيد من الكتابات المهتمة بالموسيقى التقليدية العُمانية، والإسهام في محاولة توثيقها وصونها بوصفها جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية والتراث الثقافي غير المادي، إلى جانب مواصلة مشروعها الأدبي الذي يلامس الإنسان ويمنح المعرفة بعدًا إنسانيًا وجماليًا.
في نهاية المطاف، تبدو هدى الحراصية مؤمنة بأن الكلمة الصادقة تبدأ من معرفة صادقة، وأن الحفاظ على الهوية لا يتحقق بالشعارات، بل بالبحث والتوثيق والفهم العميق للتراث، وبالإيمان بأن الثقافة هي الذاكرة التي تحفظ الأمم من النسيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى