المبادرات المحلية تصنع مستقبل الذكاء الاصطناعي بمعايير عالمية

سلطنة عُمان توقع على اتفاقية منظمة التعاون العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي في شنغهاي
مسقط في 25 يوليو 2026 /العُمانية/ وقعت سلطنة عُمان في مدينة شنغهاي بالصين على اتفاقية إنشاء منظمة التعاون العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، لتصبح ضمن 29 دولة مؤسِّسة. يأتي هذا الانضمام كخطوة استراتيجية لتعزيز التعاون والحوكمة العالمية بشأن الذكاء الاصطناعي، ويمثل امتدادًا لجهود عُمان في تبني التقنيات المتقدمة ودعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ماذا يعني الانضمام للمسار الوطني والتعاون الدولي؟
يؤكد توقيع الاتفاقية تحول دور المؤسسات العُمانية من متلقٍ إلى شريك فاعل في وضع الأطر والمعايير الدولية، بحسب مسؤولين محليين. ويتيح هذا الانخراط نقل التجارب المحلية إلى ساحات النقاش الدولي والمساهمة بصيغ تنظيمية تراعي الخصوصية الوطنية والثقافة المؤسسية، مع الحفاظ على مبادئ الشفافية والمساءلة والعدالة.
الإنجازات الوطنية والربط مع التنظيم الدولي
أفاد حسن بن فدا اللواتي، رئيس البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، أن المرحلة الأولى (2021–2025) أسست منظومة وطنية شاملة للجاهزية التقنية والتنظيمية. من بين منجزات هذه المرحلة إطلاق النسخة التجريبية من النموذج اللغوي الوطني للذكاء الاصطناعي التوليدي “معين” بالاعتماد على آلاف مجموعات البيانات ومشاركة مؤسسات حكومية متعددة، وتشغيل استوديو الذكاء الاصطناعي وتنفيذ جلسات استشارية لتطوير حالات الاستخدام.
بالإضافة إلى ذلك، أطلق البرنامج مبادرات مثل تحالف الذكاء الاصطناعي الأخضر ومبادرة مثلث عُمان الرقمي في الحوسبة الخضراء ومراكز البيانات، ما يعزز الربط بين الأصول الوطنية ومتطلبات الحوكمة الدولية.
خارطة طريق المرحلة الثانية وتأثيرها على الحوكمة
أوضح اللواتي أن المرحلة الثانية (2026–2030) ستعمل على الانتقال من تبني التقنيات إلى امتلاك قدرات تطويرها وتوطينها، عبر توسيع نطاق تطبيق الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية والحكومية وتأهيل الكفاءات الوطنية. وتشمل المبادرات دمج الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي، وبناء أصول حوسبة عالية الأداء، وتطوير النموذج اللغوي العُماني، واستكشاف الحوسبة الكمية.
في المقابل، يتطلب هذا التوسع إطارًا حوكميًا مرنًا قائمًا على تقييم المخاطر والآثار، وتعاونًا بين الجهات الحكومية والأكاديمية والقطاع الخاص لضمان تحول المعرفة إلى سياسات عملية قابلة للقياس.
آراء خبراء محليين ودوليين حول الحوكمة والتعاون
قال الدكتور سعيد بن محمد الكلباني إن سرعة تطور الذكاء الاصطناعي تسبق قدرة الحكومات على ضبط آثاره، وأن الانضمام إلى منظمة عالمية يتيح للدول المشاركة في صياغة القواعد الدولية بدلاً من الاكتفاء بتطبيقها. وأضاف أن تحويل التجارب المحلية إلى مقترحات عملية يتطلب بنية بحثية ومؤسساتية قوية قادرة على اختبار الحلول وتوثيق النتائج.
من جهته، أكد صالح بن عبيد الخالدي أن الحوكمة الفاعلة لا تنطلق من مؤسسة واحدة، بل من شراكات عابرة للحدود تجمع حكومات وجامعات وقطاعًا خاصًا ومنظمات دولية. وشدد على ضرورة موازنة تشجيع الابتكار مع حماية الحقوق والأسس الأخلاقية، من خلال معايير فنية وأخلاقية قابلة للتبني دوليًا مع احترام التنوع الثقافي والقانوني.
بنى ثقة وطنية ومختبرات تقييم مستقلة
أشار الدكتور رامي شاهين أمين عام جائزة الذكاء الاصطناعي العالمية إلى أهمية “البنية المعرفية للثقة” التي تتضمن مختبرات تقييم مستقلة وقواعد بيانات للحوادث ونتائج تقييم أثر الخوارزميات لإجبار المطورين على الإفصاح عن المخاطر وطرق التظلم البشري. وأضاف أن التنظيم المتدرج القائم على المخاطر يوفر توازنًا بين حماية الحقوق وتشجيع الابتكار، ويجعل الحوكمة رافعة للاستثمار بدلاً من عبء بيروقراطي.
استفادة عُمان وإمكانات التعاون الإقليمي
رأى خبراء أن موقع سلطنة عُمان الاستراتيجي ورؤيتها للتحول الرقمي يؤهلانها لأن تكون منصة إقليمية للحوار في حوكمة الذكاء الاصطناعي. وذكّر الدكتور عدلي قندح بأهمية تحويل التجارب الناجحة إلى نماذج قابلة للتكرار والمعايير القابلة للقياس، لأن ذلك يجذب الاستثمارات ويبني اقتصادًا قائمًا على الثقة والبيانات والمهارات.
وبحسب المعلومات المتاحة، توفر العضوية مكانة للتعاون في لجان متخصصة وتبادل الخبرات والدخول في تحالفات فنية قد تشبه تحالفات الاتصالات والإنترنت السابقة، وهو ما قد يسهم في وضع معايير مشتركة للاعتماد وتبادل المعلومات حول المخاطر.
تحديات متوقعة وفرص عملية
تبقى التحديات تتمثل في بناء قدرات قياس الأثر وتحويلها إلى سياسات مرنة، وتأسيس مختبرات تنظيمية ومؤشرات جاهزية رقمية ووطنية موحدة. وفي الوقت نفسه، تفتح العضوية أبوابًا للمشاركة في تطوير معايير دولية قد تفيد المؤسسات الوطنية في الانتقال من الامتثال إلى الإسهام المعرفي.
خاتمة وخطوات متابعة متوقعة
يمثل توقيع سلطنة عُمان لاتفاقية إنشاء منظمة التعاون العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي محطة تتطلب متابعة تحويل الالتزامات الدولية إلى ممارسات وطنية قابلة للقياس. ومن المتوقع خلال الأشهر المقبلة تشكيل فرق عمل وطنية لتمثيل السلطنة في اللجان التأسيسية للمنظمة، وتنسيق أولويات المرحلة الثانية للبرنامج الوطني مع المتطلبات الدولية. ينبغي مراقبة إعلانات المنظمة عن آليات التعاون ومواءمتها مع خارطة طريق عُمان للذكاء الاصطناعي.
/العُمانية/ خميس الصلتي النشرة الاقتصادية





