Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
السعودية

الحرب على إيران .. هل تحتاج المنطقة إلى منظومة أمن جماعي؟

ادريس احميد ..صحفي وباحث في الشأن

لم تكشف الحرب على إيران فقط حجم التوتر بين القوى المتصارعة، بل أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الأمن في الشرق الأوسط، وحدود الاعتماد على التحالفات الخارجية، وقدرة دول المنطقة على حماية مصالحها في ظل صراعات القوى الكبرى.
فحتى مع توقف العمليات العسكرية أو تغير مسارها، فإن تداعياتها السياسية والاستراتيجية لم تنتهِ، بل فتحت مرحلة جديدة من إعادة الحسابات، خاصة أن أسباب الصراع لا تزال قائمة، وبعض عوامل التوتر تبدو في ازدياد، الأمر الذي يجعل من الصعب التنبؤ بنهاية نهائية للأزمة.

استمرار الحرب واحتمالات التصعيد

رغم تغير طبيعة المواجهة، فإن استمرار الخلافات حول الملفات الأساسية يجعل احتمال عودة التصعيد قائماً، خاصة في ظل غياب تسوية شاملة تعالج جذور الأزمة.
ويرى بعض المراقبين أن الولايات المتحدة قد تسعى إلى إدارة الأزمة وكسب الوقت لتحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية، مع إبقاء خياراتها مفتوحة، بما في ذلك احتمال العودة إلى المواجهة إذا لم تحقق التفاهمات المطلوبة.
وفي المقابل، فإن استمرار حالة التوتر يخدم الحسابات الإسرائيلية التي ترى في إضعاف إيران وتقليص نفوذها الإقليمي هدفاً استراتيجياً، ولذلك فإن استمرار الضغوط على طهران يبقى ضمن حساباتها الأمنية والسياسية.
لكن استمرار الصراع يحمل مخاطر كبيرة على أمن المنطقة واستقرارها، ويؤكد أن الحلول العسكرية وحدها لا يمكن أن تنتج نظاماً أمنياً مستقراً.

بين صراعات القوى الكبرى ومصالح المنطقة

إن الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران يرتبط بحسابات استراتيجية خاصة، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع دول المنطقة يجب أن تكون جزءاً من هذا الصراع.
فالدول العربية والخليجية لها مصالحها وأولوياتها الوطنية، وقد لا تتطابق دائماً مع حسابات القوى الكبرى. وقد أثبت التاريخ أن الدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها المتغيرة، بينما تبقى الجغرافيا والمصالح المشتركة بين دول المنطقة أكثر ثباتاً.

إن تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة مواجهة مفتوحة لن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار، بينما تتحمل شعوب المنطقة النتائج السياسية والاقتصادية والأمنية لهذه الصراعات.

إيران وإسرائيل .. مصادر التوتر في الأمن الإقليمي

تواجه المنطقة مصادر متعددة للتوتر، ولا يمكن اختزال الأزمة في طرف واحد.
فإسرائيل تمثل أحد أبرز ملفات الصراع في الشرق الأوسط، حيث يرى منتقدو سياساتها أن استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني والعمليات العسكرية المتكررة يعكس توجهاً قائماً على توسيع النفوذ وفرض واقع جديد في المنطقة، وهو ما ساهم في استمرار حالة عدم الاستقرار.
وفي المقابل، تواجه إيران انتقادات من بعض الدول العربية بسبب سياساتها الإقليمية ونفوذها في عدد من الساحات، وهو ما تعتبره هذه الدول تهديداً لأمنها ومصالحها.
إن معالجة قضايا الأمن الإقليمي تتطلب رؤية شاملة تتعامل مع مختلف مصادر التوتر، بعيداً عن سياسة المحاور والصراعات المفتوحة.

إيران وعلاقات الجوار .. الحاجة إلى مراجعة السياسات

إذا كانت بعض دول المنطقة ترى أن لإيران مشروعاً إقليمياً توسعياً لا يراعي بصورة كافية مصالح دول الجوار، فإن من الحكمة أن تعيد طهران تقييم سياساتها الإقليمية، والانتقال من منطق النفوذ والصراع إلى منطق التعاون وبناء الثقة.
فإيران بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها وعلاقاتها مع محيطها، يمكن أن تحقق مكاسب أكبر من خلال علاقات مستقرة مع دول الخليج والدول العربية، بدلاً من استمرار حالة التوتر التي تفتح المجال أمام تدخلات خارجية وتمنح القوى الكبرى مبررات لتعزيز حضورها في المنطقة.
إن احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحل الخلافات عبر الحوار، يمكن أن يشكل أساساً لعلاقات جديدة تخدم مصالح جميع الأطراف، بما فيها إيران نفسها.

الولايات المتحدة وإعادة ترتيب الأولويات

لا يبدو أن الولايات المتحدة تتجه إلى التخلي الكامل عن الشرق الأوسط، نظراً لأهمية المنطقة في أمن إسرائيل، والطاقة، والممرات البحرية، إضافة إلى استمرار التنافس مع الصين وروسيا.
لكن واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها، خاصة مع تزايد اهتمامها بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يدفعها إلى تقليل الانخراط العسكري المباشر والاعتماد بصورة أكبر على الحلفاء والشراكات الأمنية.
وهذا التحول يفرض على دول المنطقة مراجعة استراتيجياتها الأمنية، وعدم الاكتفاء بالمظلة الأمنية الخارجية، والعمل على بناء قدرات إقليمية مشتركة.

التنافس الدولي ودور القوى الإقليمية

لا يمكن فهم أمن الشرق الأوسط بعيداً عن التنافس الدولي، فالولايات المتحدة تسعى للحفاظ على نفوذها، بينما تعمل الصين وروسيا على تعزيز حضورهما السياسي والاقتصادي.
كما أن أي منظومة أمن إقليمية تحتاج إلى مشاركة القوى المؤثرة في المنطقة، مثل مصر وتركيا وباكستان، إلى جانب دول الخليج وإيران، لأن أمن المنطقة لا يمكن أن يصنعه طرف واحد.
فالتحدي الحقيقي أمام دول الشرق الأوسط هو ألا تتحول إلى أدوات في صراعات القوى الكبرى، بل أن تمتلك رؤية مستقلة تحقق مصالحها.

نحو منظومة أمن جماعي للمنطقة

إن الدرس الأبرز من هذه التطورات هو أن المنطقة بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن.
فالأمن لا يتحقق فقط بالتحالفات الخارجية أو امتلاك السلاح، بل يحتاج إلى تعاون إقليمي يقوم على:
احترام سيادة الدول.
عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
حل الخلافات بالحوار.
حماية أمن الطاقة والممرات البحرية.
بناء الثقة بين دول المنطقة.
إن منظومة الأمن الجماعي لا تعني إنهاء العلاقات الدولية، بل تعني أن تصبح دول المنطقة شريكاً أساسياً في صناعة أمنها ومستقبلها، وألا تبقى مجرد ساحة لصراعات القوى الكبرى.

الخاتمة

لقد أثبتت الأحداث أن الجغرافيا أقوى من التحالفات، وأن مصالح القوى الكبرى قد تتغير، بينما تبقى شعوب المنطقة هي التي تتحمل نتائج الحروب والصراعات.
فإيران ستظل جاراً لدول الخليج، وإسرائيل ستظل جزءاً من معادلة الصراع الإقليمي، كما ستواصل الولايات المتحدة والصين وروسيا التنافس على النفوذ في الشرق الأوسط.
لكن مستقبل المنطقة لا يجب أن يبقى رهينة لهذا التنافس، بل يحتاج إلى رؤية جديدة تقوم على الحوار والتوازن وبناء أمن إقليمي يحقق مصالح الشعوب.
فالأمن الحقيقي للشرق الأوسط يجب أن يصنعه أهل المنطقة، من خلال التعاون والشراكة واحترام المصالح المتبادلة، لا من خلال استمرار الحروب وصراعات المحاور.
.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى