Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اقتصاد

لماذا أغلقت سوريا نافذة العملة القديمة واستبدلت الليرة

استبدال الأوراق النقدية السورية: انتهاء المهلة وانطلاق مرحلة مركزية للتدقيق

ينتهي اليوم الخميس 30 يوليو/تموز الموعد المخصص لاستبدال الأوراق النقدية السورية، لتفقد هذه الأوراق اعتباراً من 31 يوليو صلاحيتها الإبرائية وعدم قابليتها للتداول قانونياً. وتسعى السلطات من خلال هذه الخطوة إلى إنهاء تعايش عملتين في السوق وقياس حجم الكتلة النقدية المتداولة فعلياً، فيما تنتقل عملية الاستبدال إلى مرحلة تنفيذ مركزي عبر المصرف المركزي في دمشق.

نهاية التعايش بين عملتين وتأثيرها الفوري

بدأت عملية استبدال العملة في الأول من يناير/كانون الثاني 2026، وامتدت على مراحل مع تمديدات متتالية لمنح حائزي النقد القديم فرصة إضافية. وبحسب بيانات المصرف المركزي، استبدلت نسب متفاوتة من الكتلة النقدية خلال الأشهر الماضية، لتصل التقديرات إلى قرب 80% من الأوراق المستهدفة خلال يوليو/تموز.

مع انتهاء المهلة، لن تقبل المصارف أو شركات الصرافة الأوراق القديمة، بل سينتقل التعامل معها حصراً إلى المصرف المركزي ضمن شروط محددة. هذا القرار يفتح الباب أمام إجراءات ضبط أدق للسيولة لكنه يثير تساؤلات حول قدرة الجهاز المصرفي على استيعاب النقود وإبقائها داخل النظام المصرفي.

شروط المرحلة الجديدة ودور المصرف المركزي

تنص التعليمات الجديدة على أن الطلبات المقدمة لاستبدال الأوراق عبر المصرف المركزي بعد انتهاء المهلة يجب ألا تقل عن 100 ورقة نقدية من أي فئة، وأن تخضع لعملية تدقيق قبل تحويل قيمتها إلى حساب مصرفي بالليرة السورية الجديدة. ولا تُفرض عمولات أو رسوم على تحويل هذه المبالغ، بحسب الإجراءات المعلنة.

تُحوّل العملية من تفاعل نقدي سريع إلى معاملة مصرفية موثقة مرتبطة بالهوية والحساب البنكي، مما يمنح السلطات قدرة أكبر على توثيق المبالغ المتبقية ورصد الأموال غير المعلنة. ورغم ذلك يحذر محللون من أن استبدال الأوراق وحده لا يكفي لكشف أو استرداد الثروات غير القانونية إذا لم يصاحبه إطار امتثال ومؤسسات مستقلة.

خريطة السيولة خارج النظام المصرفي والهدف من الاستبدال

أحد الأهداف الأساسية للعملية هو معرفة حجم الكتلة النقدية الفعلية بعد سنوات من النزوح والحرب والتلف وخروج أوراق نقدية خارج الحدود. فالمصرف المركزي قد يعرف ما طُبع تاريخياً لكنه لا يملك تفاصيل دقيقة عن الأوراق التي بقيت متداولة أو اختفت أو تحولت إلى مدخرات خاصة.

من هذا المنطلق يشبه استبدال الأوراق عملية تعداد مالي: كل ورقة تُعاد تكشف جزءاً من الكتلة الموجودة، بينما تشير الأوراق التي لا تعود إلى حجم الأموال المفقودة أو المتداولة خارج النظام الرسمي. ومع ذلك يلفت خبراء إلى أن القياس لا يعني بالضرورة التحكم، لأن الكثير من النقود قد تُعاد إلى المنازل بعد الاستبدال بدل إيداعها في البنوك.

آراء خبراء: بين الفعالية والمخاطر

يرى الأكاديمي والباحث الاقتصادي محمود مفيد عبد الكريم أن قصر المهلة واستخدامها كحافز لإخراج السيولة المكتنزة يندرج ضمن أدوات اقتصادية تهدف لتقليل تعايش عملتين والحد من التلاعب بالأسعار. ويشير إلى أن إطالة فترة التعايش ترفع التكاليف التشغيلية والأمنية وتزيد مخاطر التزوير قبل انقضاء الصلاحية القانونية للأوراق.

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي عبد المنعم الحلبي أن التضييق الشديد على المهلة غير مبرر مادياً، مقترحاً أن التمديد قد يسمح باستيعاب نسبة أكبر من العملة القديمة ويقلل خسائر مواطنين غير قادرين على الوصول إلى نقاط الاستبدال، ولا سيما في المناطق النائية أو بين السوريين المقيمين خارج البلاد.

أثر محدود على التضخم والأسعار

لا يرتبط استبدال الأوراق أو تغيير وحدة الحساب مباشرة بخفض التضخم أو رفع القوة الشرائية، لأن القيمة الحقيقية للأسعار والأجور تبقى ثابتة إذا جرت عملية التحويل بنسبة واحدة. ومن ناحية أخرى قد تظهر آثار تضخمية سلوكية نتيجة تقريب الأسعار إلى الأعلى عند إعادة التسعير، وهو ما يحذر منه خبراء السياسات النقدية.

تظل محركات التضخم الأساسية في سوريا مرتبطة بسعر الصرف والدولرة وتكاليف الاستيراد وضعف الإنتاج المحلي أكثر من شكل الأوراق النقدية أو عدد الأصفار عليها. لذلك فإن ضبط الأسعار يتطلب إجراءات أوسع تشمل استقرار سعر الصرف وتحسين الإنتاج وحماية المستهلك.

تحدي إعادة الأموال إلى المصارف والإصلاحات المطلوبة

تنجح عملية استبدال الأوراق في إخراج الأوراق القديمة من التداول تقنياً، لكنها تفتح تساؤلاً أكبر: هل ستتحول هذه السيولة الجديدة إلى ودائع مصرفية قابلة للاستخدام في السياسة النقدية؟ يرى عبد الكريم أن النجاح يتحدد بانخفاض نسبة النقد خارج البنوك وتضييق الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، إضافة إلى استقرار التضخم خلال الفترة المقبلة.

ويتفق المحللون على أن استكمال العملية يتطلب إصلاحات مصرفية ونقدية، منها نشر بيانات دورية عن السيولة والودائع، منع تمويل العجز بطباعة النقود، تطوير أدوات السياسة النقدية، وإصلاح المصارف العامة وضمان الودائع وتشجيع المدفوعات الرقمية والشمول المالي.

خطوات قادمة وما يجب مراقبته

مع بدء مرحلة التدقيق المركزي بعد انتهاء المهلة، سيكون المتابعون مهتمين بسرعة البت في طلبات الاستبدال، نسبة المبالغ التي تتحول إلى حسابات مصرفية، وتطور الفجوة في أسعار الصرف. كما ستكون قدرة المصارف على امتصاص الودائع وتوجيهها إلى القروض للقطاعات الإنتاجية مؤشراً مهماً على فاعلية هذه العملية في دعم الاستقرار الاقتصادي.

خلاصة وتوقعات مستقبلية

يمثل استبدال الأوراق النقدية السورية خطوة مهمة لقياس وتنظيم الكتلة النقدية، لكنه ليس حلاً شاملاً لمشكلات التضخم أو الدولرة. الفترة المقبلة ستكشف مدى نجاح المرحلة المركزية في تحويل النقود إلى ودائع مصرفية وليست مجرد تداول منزلي. ومن المتوقع أن يظل سلوك المواطنين تجاه الإيداع والضوابط القانونية والقدرة على إصلاح الجهاز المصرفي عوامل حاسمة في تحديد أثر العملية على الاقتصاد خلال السنوات الخمس المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى