العجز التجاري الأمريكي يقفز إلى أعلى مستوى منذ أكثر من عام

العجز التجاري الأمريكي يتسع في مايو بدعم واردات أقوى
اتسع العجز التجاري الأمريكي إلى 77.6 مليار دولار في مايو/أيار، مسجلاً أعلى مستوى له خلال أكثر من سنة، بحسب بيانات وزارة التجارة الأمريكية التي نقلتها بلومبيرغ. يعكس هذا الرقم زيادة حادة في الواردات وتراجعاً في الصادرات، في إشارة إلى استمرار قوة الطلب المحلي واستعداد شركات للتزود قبل تطبيق رسوم جمركية جديدة.
الواردات تقفز قبل تطبيق الرسوم الجمركية
سجلت الواردات نمواً شهرياً بنسبة 3.3% لتصل إلى أعلى مستوى منذ مارس/آذار 2025، بينما تراجعت الصادرات بنسبة 3.2% متأثرة بتراجع شحنات الذهب غير النقدي. في المقابل، أشار كبير الاقتصاديين في بي إم أو كابيتال ماركتس، سال غواتيري، إلى أن الشركات الأمريكية أسرعت في استيراد السلع رداً على توقعات بفرض رسوم إضافية، مدعومة بقوة الطلب المحلي وارتفاع قيمة الدولار.
علاوة على ذلك، شهدت واردات السلع الرأسمالية نمواً قياسياً، وتضمّن الارتفاع أيضاً السلع الاستهلاكية والمواد الصناعية والمركبات وقطع الغيار. في الوقت نفسه واصلت واردات أشباه الموصلات وملحقات الحواسيب الارتفاع نتيجة استمرار الاستثمار في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، ما يوضح أن جزءاً من الزيادة مرتبط بتطورات تقنية طويلة الأمد.
تفصيل مكونات العجز التجاري الأمريكي وتأثيرات القطاعات
توضح بيانات وزارة التجارة أن اتساع العجز شمل عدة شركاء تجاريين؛ فقد بلغ العجز مع المكسيك وفيتنام مستويات قياسية، وارتفع مع كندا والصين أيضاً. بعد احتساب مؤشرات التضخم، بلغ عجز تجارة السلع نحو 100 مليار دولار، وهو أعلى منذ مارس/آذار 2025.
من ناحية أخرى، واصلت صادرات النفط ارتفاعها في مايو، لكن إدارة معلومات الطاقة أفادت بأنها عادت بنهاية يونيو/حزيران إلى مستوياتها السابقة للحرب، ما يخفف جزئياً من أثر العجز. بشكل عام، شمل توسع الواردات قطاعات تتجاوز سلع الذكاء الاصطناعي، وهو ما تراه بلومبيرغ إيكونوميكس دليلاً على امتداد التأثير إلى سلاسل توريد أوسع.
تداعيات على النمو الاقتصادي والناتج المحلي
تنعكس حركة التجارة مباشرة على أداء الاقتصاد، إذ تشير تقديرات بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا إلى أن صافي الصادرات قد يقتطع نحو 1.62 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني، مقارنة مع 0.37 نقطة في الربع الأول. لذلك، فإن اتساع العجز يمثل سحبة على النمو الكلي في الربع الجاري.
من جهة أخرى، يرى محللون أن تباطؤ نمو الواردات الحقيقية مقارنة بالأرقام الاسمية يوحي بأن الطلب الأساسي قد يكون أضعف مما تظهره البيانات الاسمية. بمعنى آخر، جزء من الزيادة في الواردات قد يعكس توقيت الشراء والاحتياط للتعامل مع الرسوم المنتظرة بدل زيادة مستدامة في الاستهلاك.
انعكاسات الرسوم الجمركية والاستجابة السياسية
تشير التقارير إلى أن توقيت ارتفاع الواردات مرتبط بإعلان إدارة الرئيس عن حزمة رسوم جمركية واسعة، ما حفز الشركات على التعجيل بشحنات قبل دخولها حيّز التنفيذ. في المقابل، من المتوقع أن تغير الرسوم موازين التكلفة للشركات وقد تعيد تشكيل سلاسل التوريد على المدى المتوسط، مما يستدعي متابعة سياسات الاستيراد والتصدير والتأثير على التضخم.
بحسب خبراء اقتصادات، أي زيادة دائمة في تكلفة الواردات قد ترفع أسعار السلع للمستهلكين الأمريكيين وتؤثر على أسعار الاستيراد للصناعات التحويلية، بينما قد تستفيد بعض القطاعات المحلية من حماية شبه مؤقتة، لكن الكلفة الكلية للاقتصاد قد تزداد.
ملاحظات حول البيانات والقياسات
تذكر وزارة التجارة أن الرقم الاسمي للعجز يتأثر بأسعار الصرف والتغيرات السعرية للبضائع، لذا فإن مقارنة الأرقام بالأسعار الحقيقية تعطي صورة مختلفة أحياناً عن القوة الفعلية للطلب. لذلك، يراهن محللون على تحليل مكونات الواردات الحقيقية لفهم الاتجاهات الأساسية.
ماذا يجب مراقبته لاحقاً؟
في الأسابيع المقبلة يتجه الأنظار إلى بيانات يونيو ومآلات تنفيذ الرسوم الجمركية المعلنة، فضلاً عن مؤشرات مبيعات التجزئة والاستثمار في القطاع الصناعي التي ستوضح مدى استمرار الطلب المحلي. كما ستكون بيانات التضخم وسياسة الاحتياطي الفيدرالي عوامل حاسمة في تحديد مدى تأثر الأسواق والاقتصاد بموجة الواردات والرسوم.
ختاماً، يظل العجز التجاري الأمريكي مقياساً حساساً لتوازن الاقتصاد بين الطلب المحلي والصادرات، ويجب متابعة تطور الواردات والاستجابة السياسية ومدى استدامة استثمارات القطاعات التقنية لمعرفة الآثار المتوسطة والطويلة الأمد.





