في صحبة الأمير الحسن وبابا الفاتيكان.. ماذا يجري في عالم اليوم؟

كان هناك زمن ينظر فيه إلى التعاطف والرحمة ليس باعتبارهما فضائل شخصية فقط، بل كضرورات حضارية. فقد كانا متأصلين في التقاليد الدينية، والأخلاق الفلسفية، والسلوك الدبلوماسي، والعقود الاجتماعية. وقد أثرا في القانون الإنساني، وألهما التعاون متعدد الأطراف، وحفزا النضالات من أجل العدالة والتحرر.
أما اليوم، فيبدو أن التعاطف والرحمة ينظر إليهما بشكل متزايد على أنهما نقاط ضعف في عالم مفتون بالسلطة، والمصالح، والاستعراض، والقبلية.
إن التعاطف والرحمة لا يختفيان لأن الإنسانية أصبحت فجأة قاسية بطبيعتها، بل يتآكلان بشكل منهجي بفعل الأنظمة السياسية والاقتصادية، والبيئات الإعلامية، والأنظمة الأيديولوجية التي تكافئ الانفصال والتنافس والخوف على حساب العلاقات والكرامة والرعاية.
كتبت الراحلة بيل هوكس: إن الهيمنة تتطلب الانفصال العاطفي. وحذرت حنة أرندت من “ابتذال الشر”، ليس باعتباره سادية وحشية، بل باعتباره تطبيعا للامبالاة الأخلاقية داخل الأنظمة البيروقراطية.
جادل زيغمونت باومان بالمثل بأن الحداثة تسهل العنف تحديدا؛ لأنها تبعد الجناة عن إنسانية الضحايا. واليوم، دفعت الحداثة الرقمية بهذا التباعد إلى الذروة. فنحن لا نعايش المعاناة من خلال العلاقات، بل من خلال الشاشات؛ ولا من جانب التزام أخلاقي، بل من خلال نظرة عابرة.
ولا تقتصر النتيجة على الإرهاق العاطفي فحسب، بل هي انهيار تدريجي لخيالنا الأخلاقي الجماعي.
وتمثل الفظائع التي تتكشف في غزة ربما أوضح مثال معاصر على هذا التآكل الأخلاقي. آلاف المدنيين قتلوا، ومستشفيات دمرت، وأطفال دفنوا تحت الأنقاض، وأحياء بأكملها محيت من الوجود، ومع ذلك لا يزال جزء كبير من المجتمع الدولي مشلولا بسبب الغضب الانتقائي، والحسابات الجيوسياسية، أو التجريد الصريح من الإنسانية. الأزمة ليست مجرد أزمة قانون دولي أو فشل دبلوماسي، بل هي أزمة تعاطف بحد ذاتها.
التقاليد تحاول إنقاذ الموقف
لطالما حاولت التعاليم الدينية، على الرغم من إخفاقاتها المؤسسية وتواطئِها، مقاومة هذا التجريد من الإنسانية. كان هذا هو الموضوع الذي بُحث في مؤتمر استمر يومين، نظم بالاشتراك بين المعهد الملكي للدراسات بين الأديان (في عمّان، الأردن) برئاسة الأمير الحسن بن طلال، ودائرة الحوار بين الأديان في الفاتيكان، برئاسة الكاردينال جورج يعقوب كوفاكاد.
ركز اللقاء على “الرحمة الإنسانية والتعاطف في العصر الحديث”، وعقد يومي 12 و13 مايو/أيار، جامعا نخبة من علماء الدين المسلمين والمسيحيين، فضلا عن العاملين في مجال التنمية والعمل الإنساني.
استمعنا إلى الأمير الحسن، بجانب العديد من علماء الدين المسلمين الحاضرين، في هذا اللقاء الموسع الذي عقد في الفاتيكان، وهم يتحدثون عن مفهوم الرحمة في الإسلام.
وقد أشار بعض الباحثين إلى كلمة “رحمة” العبرية في العهد القديم (الكتاب المقدس العبري) – والتي تحمل أيضا المعنى نفسه للرحمة والشفقة والمحبة العميقة.
تشترك الكلمتان- العربية والعبرية- في جذر لغوي واحد مشتق من كلمة “رحم” (رحم بالعربية، و”رخيم” بالعبرية).
أما أنا فقد تحدثت عن فلسفة أوبونتو الأفريقية، وهي جوهر الفكر الأخلاقي في ثقافة شعوب “البانتو” في وسط وجنوب القارة الأفريقية، وعن مفاهيم السكان الأصليين للرعاية القائمة على العلاقات، والتي تؤكد بدورها، بطرق مختلفة، على أن بقاء الإنسان مرهون بالترابط لا بالهيمنة.
وتقدم ملاحظات البابا ليو الرابع عشر- الذي تفضل بلقاء المشاركين- تذكيرا بليغا بأن التعاطف والرحمة ليسا مجرد سمات نفسية، بل هما عنصران أساسيان لما يعنيه بقاء الإنسانية في عصر التشرذم.
في كلمته أمام الحضور، أكد البابا على ما ذكره الأمير الحسن سابقا من أن هذه القيم ليست مجرد مشاعر هامشية، بل هي “مواقف جوهرية في كل تعاليمنا الدينية، وجوانب مهمة لما يعنيه أن نعيش حياة إنسانية حقيقية”.
يكتسب هذا الإطار أهمية؛ بالغة لأنه يقاوم النزعة المعاصرة التي تختزل الرحمة إلى مجرد عاطفة أو أخلاق شخصية، حيث يعيد التعاطف إلى مكانته اللائقة كقيمة أخلاقية عامة وواجب روحي.
واستنادا إلى التعاليم الإسلامية والمسيحية، أشار البابا إلى أن الرحمة تنبع من الإله نفسه. وبالإشارة إلى مفهوم الرأفة في الإسلام، ذكر الحضور أن الرحمة لا تنفصل عن الرحمة الإلهية، وأنها تتجلى في أحد أسماء الله الحسنى، الرؤوف. وبالمثل، استذكر الصورة التوراتية للإله الذي يقول: «رأيت بؤس شعبي… سمعت صراخهم» (خروج 3: 7)، مؤكدا أن الرحمة الإلهية في اللاهوت المسيحي تتجسد من خلال الاستعداد “للمشاركة في المعاناة” مع البشرية.
المشاركة في المعاناة
قد يكون مفهوم “المشاركة في المعاناة” من بين أكثر الأفكار جذرية ومخالفة للتيار السائد في الحياة السياسية المعاصرة.
فعصرنا قائم على النأي بأنفسنا عن آلام الآخرين- جغرافيا، وعاطفيا، ورقميا، وسياسيا. فقد صممت أنظمة تكنولوجية وسياسية بأكملها لتمكين المشاهدة دون تحمل المسؤولية.
نشاهد الدمار في غزة، والسودان، واليمن، والكونغو، وأوكرانيا، وغيرها في الوقت الفعلي، ولكن بشكل متزايد دون أي تدخل أخلاقي مستدام. تصبح الرحمة مهددة بأن تتحول إلى مجرد أداء شكلي بدلا من أن تكون مغيرة.
وقد واجه البابا ليو الرابع عشر هذا الواقع مباشرة عندما حذر من أن التقدم التكنولوجي، مع أنه يربط البشرية أكثر من أي وقت مضى، قد “يؤدي أيضا إلى اللامبالاة”.
تعكس ملاحظته هذه صدى تحذير البابا فرنسيس عقب وفاة المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط: “لقد اعتدنا على معاناة الآخرين”. وربما لا يوجد تشخيص أشد وطأة على حضارتنا المعاصرة من هذا التطبيع للتبلد العاطفي.
في الواقع، ليس نقص المعلومات أحد أخطر مخاطر العصر الرقمي، بل الإرهاق العاطفي. فالتداول المستمر لصور الحرب والنزوح والمجاعة والكوارث يمكن أن يخمد الحساسية الأخلاقية بدلا من أن يوقظها. تصبح المعاناة الإنسانية مجرد حدث عابر في سيل لا ينقطع من المحتوى المتنافس على جذب الانتباه. في مثل هذه البيئة، يبدأ التعاطف نفسه بالتلاشي.
ومع ذلك، فإن تدخلات البابا ليو الرابع عشر والأمير حسن تبعث على الأمل في نهاية المطاف، لأنها تؤكد أن المسيحيين والمسلمين- بل جميع الناس المتمسكين بالتقاليد الأخلاقية- يشتركون في “مهمة مشتركة” لطالما كتبت عنها.
إعطاء صوت لمن يعانون، وتحويل اللامبالاة إلى تضامن. هذه ليست دعوة دينية، بل دعوة حضارية.
تتجاوز أهمية هذه الدعوة حدود العلاقات بين الأديان، فهي تتناول مباشرة أزمة التعددية، والعمل الإنساني، والحوكمة العالمية نفسها.
لا يمكن للمؤسسات أن تستمر دون شرعية أخلاقية، ولا يمكن للقوانين أن تصمد دون أسس أخلاقية، ولا يمكن للدبلوماسية أن تعمل بشكل مستدام دون الاعتراف بالكرامة الإنسانية المشتركة. لذا، فإن الرحمة والتعاطف ليسا ثانويين في الحياة السياسية، بل هما شرطان أساسيان لأي مستقبل جماعي ذي معنى.
ولعل الأهم من ذلك، أن علماء الدين والعاملين في المجال الإنساني يذكروننا بأن للرحمة آثارا اجتماعية وسياسية. هذا الفهم يتحدى النزعة المعاصرة التي تعتبر الضعف فشلا شخصيا بدلا من كونه مسؤولية جماعية.
في كثير من النواحي، أصبح التعاطف غير ملائم سياسيا لأنه يزعزع أنظمة الهيمنة. الرحمة الحقيقية تتطلب إعادة التوزيع، والمساءلة، والشمول، والعدالة. إنها تتطلب من المجتمعات ليس فقط الاعتراف بالمعاناة، بل مواجهة الهياكل التي تنتجها.
لهذا السبب غالبا ما تعتمد السياسات الاستبدادية والإقصائية على نزع الإنسانية. لا يستطيع الخوف حشد الجماهير إلا عندما تضعف مشاعر التعاطف إلى حد كبير.
لذا، فإن السؤال الذي يواجه البشرية ليس ما إذا كانت الرحمة مهمة أم لا. إن الأدلة على أزماتنا المترابطة- انهيار المناخ، والحروب، والنزوح، وعدم المساواة، وتآكل الديمقراطية- تظهر أن بقاء الإنسان نفسه يعتمد على استعادة أشكال التضامن القادرة على تجاوز القومية والطائفية والتعصب الأيديولوجي.
كتب الشاعر الفارسي جلال الدين الرومي ذات مرة: “أغمض عينيك لترى بالعين الأخرى”. ما أدركه الرومي منذ قرون هو أن التعاطف يتطلب أكثر من مجرد الملاحظة. إنه يتطلب خيالا أخلاقيا- القدرة على إدراك الذات في معاناة الآخر. لكن الأنظمة السياسية الحديثة، على نحو متزايد، تكافئ عكس ذلك: العزلة العاطفية.
وقد حذر مارتن لوثر كينغ جونيور من أن المجتمعات التي تعطي الأولوية للماديات على حساب البشر، تنحدر حتما إلى الموت الروحي. لا تزال انتقاداته ذات صلة مقلقة في عصر تحظى فيه الأسواق المالية بحماية أكثر إلحاحا من حماية الأرواح البشرية.
ومع ذلك، ورغم كل دلائل التدهور الأخلاقي، لا تزال الرحمة قائمة:
- إنها قائمة لدى الأطباء الذين يعملون تحت وطأة القصف.
- والعاملين في المجال الإنساني الذين يعبرون خطوط المواجهة.
- والطلاب الذين يحتجون على الظلم رغم القمع.
- والمجتمعات التي تؤوي اللاجئين.
- والتحالفات بين الأديان التي تقاوم الكراهية.
- وعامة الناس الذين يرفضون تطبيع القسوة.
تبقى الرحمة باقية لأنها متأصلة في الإنسانية. لا تكمن المشكلة في اختفاء التعاطف تماما، بل في أن الأنظمة المعاصرة تعاقب وتهمش وترهق بشكل متزايد أولئك الذين يمارسونه باستمرار.
وإذا فقد البشر القدرة على إدراك معاناة بعضهم البعض كأمر ذي معنى، والسعي الحثيث للتضامن مع المظلومين- حتى لو كلفهم ذلك موارد أو جوائز- فلن ينقذنا أي تقدم تكنولوجي، أو تفوق عسكري، أو نمو اقتصادي من التدهور الجماعي. سنكون قد أتقنا الابتكار بينما نسينا إنسانيتنا.
قد يعتمد مستقبل عالمنا على الذكاء العاطفي أكثر من اعتماده على الذكاء الاصطناعي؛ وعلى الترابط الأخلاقي أكثر من اعتماده على الهيمنة الجيوسياسية؛ وعلى إعادة اكتشاف ممارسة التعاطف الإنساني الهشة والصعبة، ولكنها ضرورية، أكثر من اعتماده على الانتصار القومي.
التعاطف والرحمة ليسا دليلا على الضعف في عالم ينهار.
في الوقت الذي نكافح فيه في عصر عدم اليقين لمعرفة ما يجب فعله وكيف، قد يكون العمل معا بدافع التعاطف والرحمة هو الوسيلة الأخيرة المتبقية لإعادة تشكيل بقائنا كجنس بشري.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.





